شهادة المؤذِّن في الشّام
قال عليّ بن الحسين عليه السلام للرّجل : باللَّهِ عليكَ إلّاما أذِنْتَ لي أن أصعد المِنْبَر وأتكلّم بكلامٍ فيه رضاً للَّهِ ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له : إصعدْ وقُلْ ما بدا لكَ ، قال : فصعدَ المِنْبَر وتكلّم بكلام الأنبياء بعذوبةِ لسانٍ وفصاحةٍ وبلاغةٍ ، فأقبلَ إليه النّاسُ من كُلِّ مكانٍ ، فقال : أيُّها النّاس ! مَنْ عَرَفَني فقد عَرَفَني ، ومَنْ لم يَعْرُفْني فأنا اعرِّفهُ بنفسي ، أنا عليُّ بنُ الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، أنا ابن مَنْ حَجَّ ولبّى ، أنا ابنُ مَنْ طافَ وسعى ، أنا ابنُ زَمْزَمَ والصَّفا ، أنا ابنُ فاطمةَ الزّهراء ، أنا ابنُ المذْبُوحِ مِنَ القَفا ، أنا ابنُ العَطْشان حتّى قَضى ، أنا ابن مَنْ مَنَعُوهُ مِنَ الماءِ وأحلُّوهُ على سائر الوَرى ، أنا ا بنُ محمّدٍ المُصْطَفى ، أنا ابنُ صَريعِ كَرْبلا ، أنا ابنُ مَنْ راحَتْ أنصارهُ تحتَ الثّرى ، أنا ابنُ مَنْ غَدَتْ حَريمُهُ أسْرى ، أنا ابنُ مَنْ ذُبِحَتْ أطْفالُهُ من غَيْرِ سُوءٍ ، أنا ابنُ مَنْ أضْرَمَ الأعْداءُ في خَيْمَتِهِ لَظى ، أنا ابنُ مَنْ أضْحى صَريعاً بالعرا ، أنا ابنُ مَنْ لا لهُ غُسْلٌ ولا كَفَنُ يُرى ، أنا ابنُ مَنْ رَفَعُوا رَأسَهُ على القَنا ، أنا ابنُ مَنْ هُتِكَتْ حَريمُهُ بأرْضِ كَرْبَلا ، أنا ابنُ مَنْ جِسْمُهُ بأرْضٍ وَرَأسُهُ باخْرى ، أنا ابنُ مَنْ لا يرى حَوْلَهُ غيرَ الأعداء ، أنا ابنُ مَنْ سُبِيَتْ حَريمُهُ وإلى الشّامِ تُهدى ، أنا ابنُ مَنْ لا ناصِرَ لَهُ ولا حِمى .
ثمّ قال سلام اللَّه عليه : أيُّها النّاس ! قد فَضَّلَنا اللَّهُ بِخَمْسٍ ، فينا واللَّه مَخْتَلَف الملائكةِ ومَعْدِنُ الرِّسالةِ ، وفينا نَزَلَت الآيات ونحنُ قُدْنا العالمين للهُدى ، وفينا الشّجاعة فلم نَخَفْ بأساً والبراعة والفصاحة إذا افتخر الفُصحا ، وفينا الهُدى إلى سبيلِ السَّواء ، والعِلْمَ لِمَنْ أراد أن يَسْتَفيدَ عِلْماً ، والمحبّة في قُلوبِ المُؤْمِنينَ من الوَرى ، ولنا الشّأن الأعْلى في الأرْضِ والسّماء ، ولولانا ما خلقَ اللَّهُ الدّنْيا وكلُّ فَخْرٍ دون فَخْرِنا يَهْوى ، ومُحِبُّنا يُسْقى وباغِضُنا يَوْمَ القِيامَةِ يَشْقى .
قال : فلمّا سمعَ النّاسُ كلامه ، ضجّوا بالبُكاءِ والنّحيبِ وعَلَتْ الأصْوات ، فخافَ يزيدُ لعنه اللَّه الفتنة ، فأمرَ المُؤذِّن أن يَقْطَعَ عليهِ خطبتَهُ ، فصعدَ المُؤذِّن ، وقال : اللَّه أكبر ، فقال