- « قد علمتُ أنّكما قد محضتُماني النّصيحة ، واجتهدتما في المشورة ، ونحنُ فقد خرجنا على نيّةٍ ، ولن ننقضَها ، ونسأل اللَّهَ العزيمة ، والتّشديد » .
فقالا :
- « فأقيموا حتّى نُجهِّز معكم جيشاً كثيفاً ، فتلقوا عدوّكم بكتفٍ وجمعٍ وحدٍّ » .
فقال سليمان :
- « تنصرفون ونرى رأيَنا » .
فعرضا عليه الصّبر عليهما ، حتّى يجعلا له ولأصحابه خراج جُوخى « 1 » دون النّاس .
فأبى سليمان وقال :
- « ما خرجنا للدُّنيا » .
وإنّما فَعَلا ذلك ، لِما داخلهم من إقبال عبيداللَّه بن زيادٍ نحو العراق .
وأبطأ على سليمان أصحابه من أهل البصرة والمدائن ، فخرج من عسكره بالنُّخيلة ، ومرّ نحو الأقساس « 2 » ، وتخلّف عنه ناسٌ كثيرٌ .
فقال سليمان :
- « لَو خرجوا فيكم ما زادوكم إلّاخَبالًا ، لأنّ اللَّه كرهَ انبعاثهم ، فثبّطهم » .
ثمّ خرج حتّى صبّح قبر الحسين . فلمّا انتهى النّاس إليه ، صاحوا صيحةً واحدةً ، وبكَوا .
فما رُئيَ يوم كان أكثر باكياً منه . وجعلوا يدعون اللَّه ، ويسألونه أن يتوب عليهم ، وأحسنَ النّاسُ بالمنطق ، وزادهم ذلك بصيرةً ، وشحذ رأيَهم ، ووطّنوا أنفسهم على الجهاد ، وحبّالشّهادة .
هامش
( 1 ) - جُوخى : نهرٌ عليه كورةٌ في سواد بغداد بالجانب الشرقي منه الراذان ، وهو بين خانقين وخوزستان ، قالوا : ولم يكن ببغداد مثل كورة جوخى ، كان خراجها ثمانين ألف ألف [ 000 ، 000 ، 80 ] درهم ، حتّى صُرفت دجلة عنها فخربت ( المراصد وياقوت )
( 2 ) - الأقساس : قريةٌ بالكوفة وكورة يُقال لها : أقساس مالك ( المراصد )