حميّة ، ونفوس أبيّة » .
وهذا نحو قول أبيه عليه السلام ، وقد ذكرناه فيما تقدّم : « إنّ امرأ أمكن عدوّاً من نفسه ، يعرُق لحمه ، ويفري جلده ، ويهشم عظمه ، لعظيم عجزه ، ضعيف ما ضُمّت عليه جوانح صدره .
فكن أنت ذاك إن شئت ؛ فأمّا أنا فدون أن أعطِيَ ذلك ضربٌ بالمشرِفيّة تطير منه فَراش الهام ، وتطيح السّواعد والأقدام » .
ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، 3 / 249 - 250
قيل لرجل شهد يوم الطّفِّ مع عمر بن سعد : ويحك ! أقتلتم ذرِّيّة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ! فقال : عضضت بالجندل ؛ إنّك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ، ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضّارية تحطمُ الفرسان يميناً وشمالًا ، وتُلقي أنفسها على الموت ؛ لا تقبل الأمان ، ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل بينها وبين الوُرُود على حياض المنية ، أو الاستيلاء على الملك ؛ فلو كَفَفنا عنها رويداً لأتَتْ على نفوس العسكر بحذافيرها ؛ فما كنّا فاعلين لا أمّ لك !
السّخاء من باب الشّجاعة ، والشّجاعة من باب السّخاء ؛ لأنّ الشّجاعة إنفاق العمر وبذلُه فكانت سخاء ، والسّخاء إقدام على إتلاف ما هو عديل المهجة ؛ فكان شجاعة .
أبو تمام في تفضيل الشّجاعة على السّخاء :
كم بين قومٍ إنّما نفقاتهم * مالٌ وقوم ينفقون نفوسا
ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، 3 / 263
قال رجل لعبداللَّه بن ظبيان : بماذا تحتجّ عند اللَّه عزّ وجلّ غداً ، وقد قتلتَ مصعباً ؟
قال : إن تُركت احتجّ كنت أخطب من صعصعة بن صوحان ! كان مصعب لمّا خرج إلى حرب عبد الملك سأل عن الحسين بن عليّ عليه السلام ، وكيف كان قتله ؟ فجعل عروة بن المغيرة يحدِّث عن ذلك ، فقال متمثِّلًا بقول سليمان بن قَتّة :
وإنّ الأولى بالطَّفِّ من آل هاشمٍ * تأسّوا فسنُّوا للكرام التّأسِّيا
قال عروة : فعلمت أنّ مصعباً لا يفرّ .
ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، 3 / 298