وقتل من أهل البيت .
ولكنّ الأصحّ ما اشتهر بين المؤرّخين وأرباب المقاتل : من أنّ الأكبر هو أوّل الخارجين والمقتولين من أهل البيت ، وعلى ذلك شواهد .
قالوا : ولمّا عزم عليّ بن الحسين الأكبر على القتال ، وأقبل مستأذنا من أبيه ، نظر إليه الحسين نظر آيس منه ، وأرخى عينيه بالدّموع محترقا قلبه ، مظهرا حزنه إلى اللّه تعالى ، ورفع شيبته أو سبّابته - إلى السّماء وقال :
« اللّهمّ اشهد على هؤلاء ، فقد برز إليهم أشبه النّاس خلقا وخلقا ومنطقا برسولك محمّد صلّى اللّه عليه واله ، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيّك نظرنا إليه ، اللّهمّ امنعهم بركات الأرض ، وفرّقهم تفريقا ، ومزّقهم تمزيقا ، واجعلهم طرائق قددا ، ولا ترض الولاة عنهم أبدا ، فإنّهم دعونا لينصرونا ، فعدوا علينا يقاتلوننا » .
وصاح بعمر بن سعد : « ما لك يا ابن سعد ! قطع اللّه رحمك ولا بارك اللّه لك في أمرك ، وسلّط عليك من يذبحك بعدي على فراشك ، كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول اللّه » .
ثمّ رفع صوته وتلا قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .
قالوا : ولمّا تقدّم عليّ الأكبر إلى الحرب ، اجتمعت النّساء ودرن حوله كالحلقة ، وتعلّقن بأطرافه ، وقلن له : ارحم غربتنا ، ولا تستعجل إلى القتال ، فلا طاقة لنا في فراقك . فلم يعبأ بهنّ ، ولم يزل يطلب الإذن من أبيه حتّى أذن له .
وفي النّاسخ عن كتاب روضة الأحباب : إنّ الحسين عليه السّلام ألبسه بيده لامة حربه ، وأفرغ عليه درعه ، ومغفره ، وشدّ وسطه بمحزم ادّخره من أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام ، وأركبه فرسه العقاب .
فعند ذلك ودّع أباه الحسين والحرم وعموم بني هاشم ، وتوجّه نحو القوم ، وجلا عليهم كالشّمس الضّاحية ، وشدّ عليهم شدّة اللّيث الغضبان ، وهو يقول :