لا أظمأ بعدها أبدا ، وهو يقول لك : العجل ، العجل ، فإنّ لك كأسا مذخورة حتّى تشربها السّاعة .
وشهق شهقة كانت فيها نفسه ، وفارقت روحه الدّنيا .
قالوا : فجعل الحسين يتنفّس الصّعداء ، وصاح بأعلى صوته : وا ولداه . فتصارخن النّساء ، فسكّتهنّ الحسين ، وقال : إنّ البكاء أمامكنّ . وحمل على القوم ففرّقهم ، وأقبل إلى ولده مسرعا .
قالوا : ولمّا أقبل الحسين إلى ولده ، كان في طريقه يلهج بذكره ، ويصيح ، ويكثر من قوله : « ولدي عليّ ! ولدي عليّ » حتّى وصل إليه . فأخلى رجليه معا من الرّكاب ، ورمى بنفسه على جسد ولده ، وأخذ رأسه ، فوضعه في حجره ، وجعل يمسح الدّم والتّراب عن وجهه ، وانكبّ عليه واضعا خدّه على خدّه ، وهو يقول : « يا بنيّ ! قتل اللّه قوما قتلوك ، وما أشدّ جرأتهم على اللّه وعلى انتهاك حرمة الرّسول » ثمّ انهملت عيناه بالدّموع . ثمّ قال :
على الدّنيا بعدك العفا يا بنيّ ! أمّا أنت فقد استرحت من الدّنيا وضيمها ، وقد صرت إلى روح وريحان ، وبقي أبوك ، وما أسرع لحوقه بك » .
وذكر بعض الأكابر من أرباب المقاتل : إنّ الحسين عليه السّلام لمّا رمى بنفسه على جسد ولده وفلذة كبده ، اعترته حالة المحتضر فجعل يجود بنفسه ، ويتنفّس تنفّس الصّعداء ، وكادت روحه أن تخرج .
قالوا : وخرجت زينب ابنة عليّ مسرعة - وخلفها النّساء والأطفال - وهي تنادي : يا حبيباه ! يا ثمرة فؤاداه ! وا ولداه ! وا مهجة قلباه ! فجاءت وانكبّت عليه ، فبكى الحسين رحمة لبكائها ، وقال : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون . وقام ، وأخذ بيدها ، وردّها إلى الفسطاط .
ثمّ التفت الحسين عليه السّلام إلى فتيانه من بني هاشم ، وقال لهم : احملوا أخاكم . فحملوه من مصرعه ، وجاؤوا به إلى الفسطاط الّذي يقاتلون أمامه .
بحر العلوم ، مقتل الحسين عليه السّلام ، / 337 ، 339 ، 341 ، 344 - 345 ، 346 - 347 ، 348 - 349 ، 350
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 62
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٦٢