فجعل يكرّ كرّة بعد كرّة و « 1 » يتّقون قتله ، فقتل جماعة « 2 » ، فنظر إليه مرّة بن منقذ العبديّ ، فقال : عليّ آثام العرب ، إن هو فعل مثل ما أراه يفعل ، ومرّ بي إن لم أثكله أمّه .
فمرّ يشدّ على النّاس كما كان يفعل ، فاعترضه مرّة بن منقذ ، وطعنه بالرّمح وقيل : بل رماه بسهم ، فصرعه ، فنادى : يا أبتاه ! عليك السّلام ، هذا جدّي يقرئك السّلام ، ويقول لك :
عجّل القدوم علينا . واعتوره النّاس ، فقطّعوه بأسيافهم ، فجاء الحسين عليه السّلام حتّى وقف عليه ، وقال : قتل اللّه قوما قتلوك ، يا بني ! ما أجرأهم على الرّحمان وعلى انتهاك حرمة الرّسول ، على الدّنيا بعدك العفا . وخرجت زينب بنت عليّ عليهما السّلام ، وهي تنادي : « يا حبيباه ! ويا ابن أخاه ! وجاءت ، فأكبّت عليه ، فجاء الحسين عليه السّلام ، فأخذ بيدها ، وردّها إلى الفسطاط ، وأقبل بفتيانه ، وقال : احملوا أخاكم . فحملوه من مصرعه حتّى وضعوه بين يدي الفسطاط الّذي كانوا يقاتلون أمامه .
الأمين ، أعيان الشّيعة ، 1 / 607 ، لواعج الأشجان ، / 168 ، 169 - 171
ولمّا لم يبق مع الحسين إلّا أهل بيته ، عزموا على ملاقاة الحتوف ببأس شديد ، وحفّاظ مرّ ، ونفوس أبية ، وأقبل بعضهم يودّع بعضا ، وأوّل من تقدّم أبو الحسن عليّ الأكبر - وعمره سبع وعشرون سنة - فإنّه ولد في الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة ، وكان مرآة الجمال النّبويّ ، ومثال خلقه السّاميّ ، وأنموذجا من منطقه البليغ .
فعليّ الأكبر هو المتفرّع من الشّجرة النّبويّة ، الوارث للمآثر الطّيّبة وكان حريّا بمقام الخلافة ، لولا أنّها منصوصة من إله السّماء ، وقد سجّل سبحانه أسماءهم في الصّحيفة النّازل بها جبرئيل عليه السّلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله .
ولمّا يمّم الحرب ، عزّ فراقه على مخدّرات الإمامة ، لأنّه عماد أخبيتهنّ ، وحمى أمنهنّ ، ومعقد آمالهنّ بعد الحسين ، فكانت هذه ترى هتاف الرّسالة في وشك الانقطاع عن
هامش
( 1 ) - [ اللّواعج : « وأهل الكوفة » ] .
( 2 ) - [ اللّواعج : « أربعة وأربعين رجلا على رواية الصّدوق في الأمالي ، وعلى رواية محمّد بن أبي طالب تمام المائتين ، ولم يذكره غيره فيما علمنا » ] .