بالشّهادة لأفنى العبّاس جميع أهل الكوفة بشماله دون يمينه وقد قتل بشماله مائة وثمانين فارسا ممّن يعد بألف أو ألفين .
ولم يزل - روحي له الفداء - يقاتل حتّى قطعت يداه ، فانكبّ على السّيف بفيه ، وأخذ الرّاية بساعديه ، وضمّه إلى صدره ، وحمل عليهم و [ هو ] يقول : هكذا أحامي عن حرم رسول اللّه . ولم يزل يحامي حتّى ضربوه بعمود من حديد ، ففلق هامته ، فسقط مخّ رأسه على كتفيه ، وانصرع عفيرا .
وفي خبر : جاءه سهم وأصاب صدره الشّريف ، وانصرع عفيرا على الأرض يخور في دمه ، ونادى : وا أخاه ! وا حسيناه ! وا أبتاه ! وا عليّاه ! ونادى : يا أبا عبد اللّه ! عليك منّي السّلام . فلمّا سمع الإمام عليه السّلام نداءه ، قال : وا أخاه ! وا عبّاساه ! وا مهجة قلباه ! فأتاه كالصّقر إذا انحدر على فريسته ، ففرّقهم يمينا وشمالا بعد أن قتل سبعين رجلا منهم ، ونزل إليه .
قال أبو مخنف : وحمله على ظهر جواده ، وأقبل به إلى الخيمة ، وطرحه فيها وبكى بكاء شديدا حتّى بكى جميع من كان حاضرا ، وقال عليه السّلام : جزاك اللّه من أخ خيرا ، لقد جاهدت في اللّه حقّ جهاده . [ انتهى ]
وصرخت زينب وقالت : وا أخاه ! وا عبّاساه ! وا قلّة ناصراه ! وا ضيعتاه من بعدك ! فقال الحسين عليه السّلام : إي واللّه ، من بعده ، وا ضيعتاه ! وا انقطاع ظهراه ! فجعل النّساء يبكين ويندبن عليه ، وبكى الحسين عليه السّلام وأنشأ يقول :
أخي يا نور عيني يا شقيقي * فلي قد كنت كالرّكن الوثيق
أيا ابن أبي نصحت أخاك حتّى * سقاك اللّه كأسا من رحيق
أيا قمرا منيرا كنت عوني * على كلّ النّوائب في المضيق
فبعدك لا تطيب لنا حياة * سنجمع في الغداة على الحقيق
ألا للّه شكوائي وصبري * وما ألقاه من ظمأ وضيق
وعن المنتخب : صاح الحسين : وا أخاه ! وا عبّاساه ! وا مهجة قلباه ! وا قرّة عيناه ! وا