كظّنا العطش ، وأشدّ الأشياء علينا عطش الحسين عليه السّلام . فلمّا سمعوا كلامهم ، حملوا عليهم حملة رجل واحد ، فقاتلهم العبّاس هو وأصحابه ، فقتل منهم رجالا ، وأنشأ يقول :
أقاتل اليوم بقلب مهتد * أذبّ عن سبط النّبيّ أحمد
أضربكم بالصّارم المهنّد * حتّى تحيدوا عن قتال سيّدي
إنّي أنا العبّاس ذو التّودّد * نجل عليّ المرتضى المؤيّد
قال : فلمّا فرغ من شعره ، حمل على القوم ، ففرّقهم يمينا وشمالا ، وقتل رجالا أبطالا ، وأنشأ يقول :
لا أرهب الموت إذا الموت رقا * حتّى أوارى ميّتا عند اللّقا
نفسي لنفس الطّاهر الطّهر وقا * إنّي صبور شاكر للملتقى
ولا أخاف طارقا أن طرقا * بل أضرب الهام وأفري المفرقا
إنّي أنا العبّاس صعب باللّقا * نفسي لنفس الطّاهر السّبط وقا
قال : فلمّا فرغ من شعره ، حمل على القوم وكشفهم عن المشرعة ، ونزل ومعه القربة ، وملأها ، ومدّ يده ليشرب ، فذكر عطش الحسين عليه السّلام فقال : واللّه لا ذقت الماء وسيّدي الحسين عطشان . ثمّ رمى الماء من يده ، وخرج القربة على ظهره ، وهو ينشد ويقول :
يا نفس من بعد الحسين هوني * فبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسين شارب المنون * وتشربين بارد المعين
هيهات ما هذا فعال ديني * ولا فعال صادق اليقين
قال : ثمّ صعد من المشرعة ، فأخذه النّبل من كلّ مكان وهو يقاتل والقربة على كتفه حتّى صار درعه كالقنفذ ، فحمل عليه أبرص بن شيبان ، فضربه على يمينه ، فطارت مع السّيف ، فأخذ السّيف بشماله وأنشأ يقول :
واللّه لو قطعتموا يميني * لأحميّن مجاهدا عن ديني
وعن إمام صادق اليقين * سبط النّبيّ الطّاهر الأمين
نبيّ صدق جاءنا بالدّين * مصدّقا بالواحد الأمين