تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وإنه هنا يعني أن يطعن المرء في وجهه ، وأنشدوا لحسان قوله :
همزتك فاختضعت بِذُلّ نفس * بقافية تأجج كالشواظ
وقال بعضهم : أن الهمز هو الاغتياب بالقول ، بينما اللمز : هو الاغتياب بالإشارة ، وأنهما معا بالتالي نوع الحديث عن غائب ، وأنشدوا لشاعر قوله :
تدلى بودي إذا لاقيتني كذبا * وإن أغيب فأنت الهامز اللمزة
أما اللمز فقال بعضهم : أنه الاغتياب ، أو ذكر معايب الناس ، والمشي بالنميمة . ويبدو أن الهمز أشد من اللمز ، فإذا كان الهمز بالوجه فاللمز بالغيبة ، وإن كان الهمز بالنطق فاللمز بالإشارة ، وإذا كان الهمز يهدف العلو في الأرض ، فإن اللمز يبقى الفساد فيها . الأول سمة التكبر والتجبر ، والثاني علامة المكر والاحتيال ، وقطع الأرحام ، وإثارة الفتن . وجاء في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله : [ شِرَارُ عِبَادِ الله : المَشَّاؤُون بِالنَمِيمَةِ ، المُفْسِدُونَ بَينَ الأَحِبَّةِ ، البَاغُونَ للبَراءِ العَيْب ] « 1 » . [ 2 ] هؤلاء الهمازون اللمازون يحسون بنقص في أنفسهم ، حيث جاء في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله : [ أَذَلُّ النَّاسِ مَنْ أَهَانَ النَّاسَ ] « 2 » . وهذا الإحساس يجعلهم يستكبرون على الناس ، ويبحثون عما يجبر نقص أنفسهم بجمع المال وتعداده ، والافتخار به ، والتعالي على الناس بسببه . الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يبدو أن معنى وَعَدَّدَهُ أحصاه وعدده المرة بعد الأخرى مباهاة به ، واعتمادا عليه ، ولكي يرى هل بلغ مستوى طموحه أم لا ؟ أرأيت الأطفال كيف يحسبون دراهمهم باستمرار فرحا وفخرا . [ 3 ] ما الذي يبعثه نحو جمع المال وعده ؟ هل مجرد المباهاة به . والاستكبار عبره على الآخرين ؟ لا بل وأيضا رغبة جامحة في الخلود ، تلك الرغبة التي كانت وراء أكل أبينا آدم عليه السلام من الشجرة المحرمة ، تلك الرغبة التي تدفع الملوك لبسط سلطانهم والبطش بمن يخالفهم ، وتلك الرغبة التي تبعثنا نحو أكثر أفعالنا وأعمالنا . ولكن هل المال يخلد الإنسان في الدنيا ؟ هيهات . يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ فأين قارون بكنوزه التي أرهقت مفاتحة الأشداء من الرجال ؟ ! وأين فرعون الذين استبد بملك مصر ، وافتخر بالأنهر التي تجري من تحته ؟ ! وأين القياصرة والأكاسرة ؟ ! أين من ملك المليارات من الأموال ؟ ! كلهم أحبوا البقاء وولهوا بالخلود ، ولكنهم
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 20 ص 181 . ( 2 ) من لا يحضره الفقيه : ج 4 ص 394 .