إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ يحيط به الخسر كما تحيط بالإنسان الدار . وأية خسارة أعظم من أن يفقد كل يوم جزءاً من عمره وجزءاً من رأسماله ، والتالي جزءاً من ذاته . أليست ذاته ممتدة على أيام حياته ، فإذا مضى يوم فقد انقضى بعض ذاته . يقول الإمام علي عليه السلام :
[ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وإِنْ كَانَ وَاقِفاً ]
« 1 » . ولذلك يقول الشاعر :
ولن يلبث العصران يوم وليلة * إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
[ 3 ] حينما يعي المؤمن هذه الحقيقة يبادر بالعمل الصالح حتى يستوعب كل لحظة وكل لمحة وكل سعرة حياتية من حياته بما يحول الخسار فلاحاً وأملًا ، فإن أتعبه الكفاح من أجل العيش استراح إلى الصلاة ليتزود منها الحيوية ، وإذا أرهق عضلاته الجهد البدني اشغل لسانه بالشكر ، وقلبه بالفكر ، ونفسه بالحب والشوق إلى لقاء ربه ، وقد ترى أعضاءه غارقة في جهد بدني يفلح الأرض ، أو يسعى على مناكبها طلباً للرزق ، أو يسخِّر ما فيها لتوفير العيش وفي ذات الوقت تجد قلبه في ذكر الله ، والتدبر في آياته ، ولسانه يلهج بحب الله . إنه متعدد الأبعاد ، واسع النشاط ، عريض الطموح ، سامي الهمة ؛ لأنه قد وعى حقيقة الزمن ، وتزود بسلاح تحديه عبر العمل الصالح . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ولكن تيار الزمن ، وشهوات النفس ، وعادات المجتمع يضغط عليهم باتجاه الغفلة والكسل ، فكيف يعالج المؤمنون هذه الظاهرة ؟ إنما بتكوين بيئة رشيدة تحيط بهم ؟ ولا تدعهم يخلدون إلى الراحة والكسل . أوتدري كيف ؟ بتطبيق التواصي . وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ إن الكبير يوصي الصغير ، والصغير بدوره يوصي الكبير ، والعالم يوصي الجاهل ، والجاهل أيضا يوصي العالم . . وهذا المبدأ يتسع لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما يتسع لواجب الدعوة إلى الله ، وتبليغ رسالاته ، وإرشاد الجاهل . . ويتسع للمزيد . ذلك أن التواصي : ومضة روح ، وإشراقة أمل ، وعتاب لطيف . إنه يصنع جوا إيمانيا يساعدك على ممارسة واجباتك . إنه يوجه حس التوافق الاجتماعي في الاتجاه الصحيح . والتواصي يكون بالحق وبالصبر ، فما هما ؟ ! .
إن معرفة الحق بحاجة إلى مساعدة الصالحين فهم يرشدونك إليه ، ويرفعون الغموض الذي يسببه دعايات الضالين . وإذا تناقضت المذاهب ، واختلفت الآراء ، وتشابهت عليك الأفكار هناك لا بد من إرشاد العلماء الصالحين والمؤمنين الواعين وتواصيهم بالحق . فإذا عرفت الحق ، كان الوقوف إلى جانبه والدفاع عنه والاستقامة عليه بحاجة إلى صبر عظيم ، يتواصى به المؤمنون حتى لا ينهار بعضهم أمام شدائد الزمن .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة : 31 .