والعصر إن الإنسان لفي خسر
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) .
بينات من الآيات :
[ 1 ] يزعم الإنسان أنه كلما طال عمره كبر وزاد ، بينما الحقيقة عكس ذلك تماما ، فكلما مضى من عمره شطر اقترب منه أجله ، وتناقص رأسمال حياته ، ونقص ما تبقى منه ، فزيادة المرء - إذا - في دنياه نقصان ، وهو كبائع الثلج في يوم قائض يفقد رأسماله كل لحظة . هكذا يحلف القرآن بالعصر ويقول : وَالْعَصْرِ قال ابن عباس : أنه قسم بالدهر ، ويبدو لي : إن أقرب العصور هو عصر أنت فيه ، وأشرفها عصر الرسالة حيث انبعث النبي به ، وعصر العدالة حين يقوم الحجة القائم به . وقال بعضهم : إنما سمي الزمن بالعصر لأنه يَعتصِر الإنسان كما يَعْصِرُ المرء غَسِيله ، وإن القسم بالدهر إنما كان بلحاظ عصره للإنسان ، وأنى كان فإن الحلف به يتناسب والموضوع التالي : أي خسارة الإنسان لعمره ، أوليس الزمن هو سبب الخسارة ؟ ! .
[ 2 ] لو عرف الإنسان كيف تتبدل خلايا جسده ، وكيف يستهلك كل يوم آلاف الخلايا من مخه ، دون أن يستعيض عنها شيئا ، وكيف تتسارع ما حوله من أشياء في سبيل الفناء ، حتى البيت الذي يسكنه يستهلك بسرعة لا يتصورها . لو عرف الإنسان أن عمره بالقياس إلى عمر الأرض التي يعيش اليوم عليها ثم ينام في رحمها يكاد لا يكون شيئا مذكورا . إنه أقصر من نسيم يهب عليه في يوم قائض ، وأسرع من سحابة في يوم عاصف ، بل إنه كالبرق الخاطف أو كخيال عابر . لو عرف أن كل لحظة من عمره مسؤولية كبيرة ، فإما هي خطوة إلى الجنة أو سقطة في النار . لو عرف ذلك كله لأصلح نفسه . ولما ضيع نفسه . ولما ضيع من عمره شيئاً . لأنه في خسارة لولا الإيمان .