ذلك اليوم ، ويحشر عشرات الألوف من بلايين البشر كما الهمج الطائر ، الذي يكثر أيام الصيف ، فتراه كالسحابة من شدة تراكمها فوق بعضها ، أو الجراد الكثيف الذي يتداخل في بعضه كأنه غبار كثيف ، فما قيمة بعوضة في الهمج ، أو جرادة في سيل الجراد ، أنا وأنت نصبح هكذا بين من يحشر من أبناء آدم ، منذ كان آدم والى قيام الساعة . يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ قالوا : الفراش : الطير الذي يتساقط في النار والسراج ، وقيل : كل همج طائر يسمى فراشا ، ومنه الجراد ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله :
[ مَثلي ومثلكُم كَمثلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَاراً فَجَعَلَ الجَنَادِبُ يَقعنَ فِيهَا ، وَهوَ يَذبهُنَ عَنهَا ، وَأَنَا آخِذٌ بِحجركُم عَن النَارِ ، وَأَنْتُم تفلتُونَ مِن يَدِي ]
« 1 » . حالات مختلفة ومتدرجة في ذلك يذكرنا السياق بواحدة منها ، كما سبق في آيات مشابهة . قالوا : المبثوث المنتشر المتفرق .
[ 5 ] أكثر ما في الدنيا وهم ، ويتلاشى الوهم في الآخرة ، بل حتى حقائق الدنيا تتلاشى يومئذ ، فترى الجبال التي تحسبها قوة ثابتة كما الصوف المتفرق ، تحركها الرياح . وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ قالوا : أي الصوف الذي ينفش باليد ، أي نعيدها هباء ، ويبدو أن للجبال حالات مختلفة ومتدرجة في ذلك يذكرنا السياق بواحدة منها ، كما سبق في آيات مشابهة .
[ 6 ] بلى ، ينتفع الإنسان يومئذ بشيء واحد ، يعطيه قيمة بين الناس ، إنه عمله الصالح الذي لو رجحت كفته في الميزان حسنت عيشته . فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يبدو أن الموازين تعني الأفعال التي توزن وليست ذات الكفتين واللسان ، وقال بعضهم : الموازين : الحجج ، واستشهدوا بقول الشاعر :
قد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكل مخاصم ميزانه
وقد سبق الحديث في سورة الرحمن : أن الميزان هو الإمام الناطق ، الذي جسد قيم الوحي في حياته ، وكان حجة على عباد الله .
[ 7 ] وإذا كانت عاقبة الإنسان رهينة رجحان حسناته ، وإذا كان حتى مثقال ذرة من أفعاله محسوبة له أو عليه ، فينبغي ألا يقصر الإنسان فيها ، فلعل حسنة واحدة ترجح كفة الحسنات ، وتجعلك من أهل الجنة حيث العيشة التي ترضاها . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وحين تكون العيشة راضية ، فإن كل جوانب حياتك تجلب رضاك وتكون في مستوى طموحك ، وقالوا : معناها عيشة مرضية ، وقيل : بل عيشة لينة منقادة .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 20 ص 165 .