تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
عوجا ولا زيغا . فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ يبدو أن معناها : الحقائق المكتوبة التي لا شبهة فيها وريب ، وهي واضحة لا لبس فيها ولا غموض ، مستقيمة لا زيغ فيها ولا تحريف ، وعلى هذا فالكلمة أشارت إلى الآيات المحكمة التي هي تكفي الإنسان هدى ونورا ، والتي إليها يرجع ما تشابه من آيات الذكر بسبب تساميها عن مستوى كل الناس ، وتخصصها بالراسخين في العلم منهم فقط . [ 4 ] ولعل البعض يتشابه عليه الأمر ، فيظن أن تفرق أهل الكتاب واختلافهم في الدين كان من نقص في الحجة ، فإذا تمت الحجة واكتملت البينة فلا أحد يختلف مستقبلا في الدين ، كلا . . إن الكتاب يوفر للناس فرصة الهداية ، ولكنه لا يفرضها عليهم فرضاً ، فإن آمنوا به فقد اهتدوا ، وإلا فهم المسؤولون عن ضلالهم وشقائهم وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ يبدو أن أشد الضلال عند أهل الكتاب تفرقهم ، أليس الإيمان بالله ورسله وشرائعه يوحد أهله في إطار الغايات التي يرسمها ، والمناهج التي يفرضها ، والسلوك الذي يوصي به ؟ . [ . . . لقد تفرق اليهود إلى اثنين وسبعين فرقة ، أبرزهم طوائف ( الصدوقيين ) و ( الفريسيين ) ، و ( الآسيين ) ، و ( الغلاة ) ، و ( السامريين ) ، وكان لكل فرقة منهم ميزاتهم في الفكر والسلوك . . . ] « 1 » . وبذات العدد تفرق النصارى وكان أبرز طائفتين منهم ( الملكانية ) الذين ذهبوا إلى عقيدة ازدواج الطبيعة عند السيد المسيح عليه السلام و ( المنوفوسية ) الذين زعموا أن طبيعته واحدة هي الألوهية . . . وحاول الإمبراطور هرقل ( 610 - 641 م ) بعد انتصاره على الفرس سنة ( 638 ) جمع مذاهب الدولة المتصارعة وتوحيدها ، وأراد التوفيق ، وتقررت صورة التوفيق أن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن كنه طبيعة السيد المسيح ، عما إذا كانت له صفة واحدة أم صفتان . . . ولكن القبط نابذوه العداء ، . . . ووقع - جراء ذلك - اضطهاد فظيع على يد قيرس في مصر استمر عشر سنين ، . . . فرجال كانوا يُعذبون ثم يقتلون إغراقًا ، وتوقد المشاعل وتسلط نارها على الأشقياء حتى يسيل الدهن من الجانبين إلى الأرض ، ويوضع السجين في كيس مملوء من الرمل ويرمى به في البحر . . . « 2 » . واختلاف الأمم بعد رسل الله وتمام الحجة عليهم دليل على مدى حاجة البشر إلى الوحي ، حيث تراهم يختلفون حتى بعد تنزل الوحي بينهم ، وبمجرد أن يخبو ضوؤه عنهم ، فكيف بهم إذا حرموه رأسًا ؟ ! . [ 5 ] من أين ينتج الخلاف بين البشر ؟ .
هامش
( 1 ) راجع عبقرية المسيح للعقاد : ص 52 - 40 . ( 2 ) ماذا خسر العالم . . للندوي : ص 45 - 43 ، نقلًا بتصرف .
من هدى القرآن — صفحة 291 | السيد محمد تقي المدرسي