فإن لله البداء في أمره ، ويمحو عنه السقوط ويمد في ملكه ، وقد قال ربنا سبحانه : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [ الرعد : 11 ] .
البصيرة الثالثة : أن الناس يزعمون أن هناك أحداثا تجري عليهم ، لا صنع لهم فيها كموت عزيز ، والإصابة بمرض عضال ، والابتلاء بسلطان جائر ، أو بالتخلف ، أو بالجفاف ، ولكن الأمر ليس كذلك إذ إن حتى هذه الظواهر التي تبدو أنها خارج إطار مشيئة الإنسان إنما تقع بإذن الله وتقديره وقضائه ، وأن الله لا يقضي بشيء إلا حسب ما تقتضيه حكمته وعدالته ، ومن عدله أن يكون قضاؤه وتقديره حسب ما يكسبه العباد ، أولم يقل ربنا سبحانه : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [ الروم : 41 ] . وإن في ذلك لكرامة بالغة لمشيئة الإنسان أن يجعل الله تقديره وفق قرار ما ، أليس كذلك .
[ 5 ] السلام كلمة مضيئة تغمر الفؤاد نورا وبهجة ، لأنها تتسع لما تصبو إليه النفس ، وتتطلع نحوه الروح ، ويبتغيه العقل ، فلا يكون الإنسان في سلام عندما يشكو من نقص في أعضاء بدنه ، أو شروط معيشته ، أو تطلعات روحه ، فهل للمريض سلام ، أم للمسكين عافية ، أم للحسود أمن ؟ كلا . . إنما السلام يتحقق بتوافر الكثير . . الكثير من نعم الله التي لو افتقرنا إلى واحدة منها فقدنا السلام . أولم تعلم كم مليون نعمة تتزاحم على بدنك حتى يكون في عافية ، وكم مليون نعمة تحيط بمجمل حياتك وتشكلان معا سلامتها ، وليلة القدر ليلة السلام ، حيث يقول ربنا سبحانه : سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ حينما تنسب هذه الموهبة الإلهية إلى الزمن نعرف إنها تستوعبه حتى لتكاد تفيض منه ، فالليل السلام كل لحظاته سلام لكل الأنام ، كما اليوم السعيد كله هناء وفلاح ، بينما اليوم النحس تتفجر النحوسة من أطرافه . فماذا يجري في ليلة القدر حتى تصبح سلاما إلى مطلع الفجر ؟ .
لا ريب أن الله سبحانه يغفر في تلك الليلة لفئام من المستغفرين ، وينقذهم - بذلك - من نار جهنم ، وأي سلام أعظم من سلامة الإنسان من عواقب ذنوبه في الدنيا والآخرة . من هنا يجتهد المؤمنون في هذه الليلة لبلوغ هذه الأمنية وهي العتق من نار جهنم ، ويقولون بعد أن ينشروا المصحف أمامهم :
[ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكِتَابِكَ الْمُنْزَلِ ومَا فِيهِ وفِيهِ اسْمُكَ الْأَعْظَمُ الْأَكْبَرُ وأَسْمَاؤُكَ الْحُسْنَى ومَا يُخَافُ ويُرْجَى أَنْ تَجْعَلَنِي مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ ]
« 1 » . كذلك يقدر للإنسان العافية فيها ، وإتمام نعم الله عليه ، وقد سأل أحدهم النبي صلى الله عليه وآله : [ أَي شَيءٍ يَطْلِبهُ مِن الله فِي هَذِهِ الليلةِ ؟ فَأَجَابَهُ - حَسَب الرِوَاية -
العَافِية ]
« 2 » . وقد تدخل على فرد هذه الليلة وهو من الأشقياء فيخرج منها سعيداً ،
هامش
( 1 ) الكافي ج 2 ، ص 629 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 226 .