تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
بالمؤمنين ، لذلك كررت الآية : إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً قالوا : إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه فهو هو ، وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره ، وهما اثنان ليكون أقوى للأمل وأبعث للصبر . ولذلك جاء في الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله : أنه خرج مسرورا فرحا ، وهو يضحك ، ويقول [ . . لَنْ يُغْلَبَ عَسِرٌ يَسرْينِ ] « 1 » . [ 7 ] كيف جعل الله مع عسر واحد يسرين اثنين ؟ إنما بتوكل المؤمن على ربه ، واجتهاده في العمل ، حتى إذا فرغ من مسؤولية لمسؤولية أخرى فمن دون توان أو انقطاع . فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ قالوا : فإذا فرغت من الصلاة فانصب للدعاء ، قبل أن تقوم من مقامك ، أو إذا فرغت من أمور الدنيا فانصب للعبادة ، أو إذا فرغت في نهارك عن أمور الخلق فانصب بالليل في طاعة الحق . ويبدو أن كل هذه المعاني صحيحة لأن الكلمة تسعها ، ومعناها - فيما يظهر - الفراغ من عمل والاجتهاد في عمل جديد ، والعمل الأول يكون أسهل من الثاني لأنه قد بذل جهده فيه ، ولذلك جاء التعبير ب - فَانصَبْ . ذلك أن القلب المتقد شوقا إلى رضوان الله ، وولها إلى الزلفى منه لا يني يحمل الجسد على الأعمال الصالحة ، لا يفرغ من واحد حتى تراه يشتغل بالثاني ويجتهد فيه وينصب لتحقيقه ، أن نفسه منه في نصب لأن أهدافه كبيرة ، وتحسسه بالزمن وسرعة انصرامه عنه ، وبالموت وتسارع خطاه إليه ، وبالأجل الذي لا يستأخر ولا يستقدم ساعة حلوله ، وبالقبر الذي ينتظره لنومة طويلة ، وبالحساب ينتظره بكل هيبته ودقته . . أقول : إن عمق تحسسه بكل ذلك يقض مضجعه ، ويسلب راحته ، ويلهيه عن اللهو ، ويشغله عن اللعب ، ويصومه عن لذات الدنيا إلا بقدر حاجته ، ويزهده في درجاتها الزائلة . هكذا كان أولياء الله الصالحين ولا يزالون فطوبى لهم ثم طوبى لهم ، وهكذا تجدهم عند نزول الموت بهم يتحسرون لا لفراق الأحبة ، وانعدام لذات الدنيا . كلا . . وإنما لأنهم بالموت يفقدون لذة قيامهم بالليل ومناجاتهم مع رب العباد ، كما يفقدون لذة العطش في صيام الهواجر . كذلك يصفهم الإمام علي عليه السلام في خطبة المتقين حيث يقول : [ ولَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ . فَهُمْ والْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ ، وهُمْ والنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ ، قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ ، وحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 390 .