تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
إذا حمل رسالة الله إلى العالمين ، إنه وقر كبير لا يقدر عليه إلا من شرح الله صدره بالإيمان واليقين والتوكل عليه ، وتفويض الأمر إليه ، هكذا قال شعيب عليه السلام حينما تحدى فساد قومه وقال : إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [ هود : 88 ] . الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ قالوا : أي أثقله ، حتى سمع نقيضه ، وهو صريره الذي يكون من شدة الحمل . [ 4 ] عندما يخلص العبد لربه حياته ، ويصفو من أدران الدنيا ومصالحها وشهواتها ، ويتخلص من قيود المادة أو أغلالها فإنه يصبح قرين الرسالة ، يسمع بها ، ويعلو ذكره بسبب تصديه لنشرها وذوبانه في بوتقتها ، كذلك سيد المرسلين استخلصه الله لنفسه ، فأصبح ذكره قرين ذكر الله ، وطاعته امتدادا لطاعة الله ، وكلامه وسنته وسيرته وآدابه جزء من أحكام الله ، فقال ربنا سبحانه : وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] هكذا رفع ذكره ، ألا ترى كيف يهتف المؤذنون باسمه مع كل شارقة وغاربة ، وعبر ملايين الحناجر المؤمنة . وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ وذكر الرسول مرفوع في الدنيا بتأييد الله لدينه الذي يظهره على الدين كله وبقبول شفاعته في الآخرة التي يرضيه بها ، واليوم وبعد أربعة عشر قرنا من نزول القرآن الكريم نجد اسم الرسول محمد صلى الله عليه وآله هو أشهر اسم في العالم ، وشخصيته الكريمة أحب إلى قلوب الملايين من أي شخصية أخرى ، وإذا ذكروا أعظم شخصية عبر التاريخ فسوف يكون هو الأول ، لا ريب حتى عند غير المسلمين . [ 5 ] من يتيم عائل يحيط به الأعداء أضحى رسول الله سيد قومه ، ثم باني أمة ، ثم شيد البشرية جميعا ، من فعل ذلك به أوليس الله ؟ فلماذا نيأس من روحه ، ونتراجع ببعض الأذى الذي يصيبنا في سبيله ؟ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إنه يلازمه أنى سار ، لأن العسر يحمل في ذاته بذور اليسر ، ولأن العسر حالة عابرة في حياة الإنسان ، أوليس قد خلق الله الخلائق ليرحمهم ، وإنما يبتليهم بالعسر والشدة ؟ أوليس قد سبقت رحمة ربنا غضبه ؟ إذا فالعسر لا يدوم ، والدليل على ذلك سيرة الرسول التي أخلدها القرآن للعبرة بها ، لأنها مثل أعلى لحياتنا نحن المسلمين ، نتبع هداها فيرزقنا الله روحها وعقباها ، وبتعبير آخر : الذي يتبع سيرة الرسول بقدر أو آخر فإن الخطوط العريضة لحياته سوف تتشابه مع تلك السيرة في عسرها ويسرها ، في صعابها وفي عواقبها الحسنى . ولقد قال ربنا سبحانه : لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] فمن تأسى برسول الله في حياته حصل على جزء من مغانم سيرة الرسول ومكتسباتها . [ 6 ] وراء العسر الواحد يسران : يسر في الدنيا وآخر في الآخرة ، يسر نابع من رحمة الله التي وسعت كل شيء ، ويسر منبعث من الصبر والاستقامة ، وبالتالي من رحمة الله الخاصة