شيء مما قدر سبحانه ، وأن العباد مكرهون على ما يفعلون ، وأن الله يجازيهم بغير صنع منهم في أفعالهم أو مشيئته . ومنشأ هذا الخلط تطرف بعض المؤمنين ضد نظرية التفويض للقدرية التي زعمت أن الله ترك عباده لشأنهم ، دون أن يأمر أو ينهي أو يقدر شيئا .
والنظرية القاصدة هي الوسطى التي فاتت الكثير من المفسرين ، وهي التي تصرح بها آيات الله ، والتي هي لب الشريعة وخلاصة الرسالات الإلهية وهي : أن الله قضى وقدر ، وكان مما قضى حرية الإنسان في حدود مشيئته ، ومسؤوليتهم عن أفعالهم ، وأنه سبحانه هو الذي منح العبادة قدرة المشيئة ، كما أعطاهم سائر القدرات ليفتنهم فيها ، وبين لهم الخير والشر وألهمهم الفجور والتقوى .
والرسول صلى الله عليه وآله بين ذلك ، ولكن الناس فسروا كلام الرسول بالخطأ كما فسروا القرآن كذلك ، فالرواية السابقة - مثلًا - لا تخطئ القرآن في مدلولها ، إذ إن الرسول بين أن الله قد قضى عليهم ما ألهمهم من الفجور والتقوى ، فإن فجروا فبإذنه ( لا بأمره ولا بفعله ) وأن اتقوا فبإذنه وبأمره ( لا بفعله ) .
وكذلك النص التالي إنما يدل على أن الله سبحانه لم يترك عباده سدى . وفي النص - كما نقرأه - تصريح بضرورة السعي والكدح ، وإذا كان كل شيء قد تم فلم السعي ، ولماذا الكدح ؟
جاء في الصحيحين والترمذي عن الإمام علي عليه السلام قال :
[ كُنَّا فِي جَنَازَةٍ بِالبَقِيع ، فَأَتَى النبيُ صلى الله عليه وآله فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ ، وَمَعَهُ عُود يَنَكُتُ بِهِ في الأرْضِ . فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَمَاءِ فَقَالَ : مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا قَدْ كتبَ مَدْخلهَا . فَقَالَ القَوْمُ : يَا رَسُول الله ! أَفَلا نَتَكِل عَلَى كِتَابنا ، فَمَن كَانَ مِنْ أَهْلِ السَعَادَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ للسَعادَةِ . وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشقَاءِ فَإنَّهُ يَعْمَلُ للشَقَاءِ ؟ قَالَ : اعْمَلُوا فَكُلٌ مُيسَر . أَما مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السعَادَةِ فَإنهُ يُيَسر لِعَمَل السعَادَةِ ، وَأَما مَنْ كَانَ أَهْل الشقَاءِ فَإنه ييسر لعمل الشقاء . ثم قرأ :
فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ] « 1 » .
ماذا نفهم من هذا الحديث ؟ هل الجبر أم المسؤولية ؟ إن تلاوة الرسول للآية تدل على أنه صلى الله عليه وآله حرضنا للعطاء والبذل ، ولكنه ربط العاقبة بأمر الله ، بلى ، لسنا نحن الذين نقرر السعادة والشقاء ، وإنما الله سبحانه ولكن بأعمالنا وبما نختاره ، أولم يقل سبحانه : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ المدثر : 38 ] وقال : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فنسب السعي إلى الإنسان ، والرسول رفض فكرة الجبر ، والاتكال على الكتاب الذي لا يفيد فيه حسب زعمهم .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري : ج 2 ، ص 99 ، صحيح مسلم : ج 8 ، ص 47 ، سنن الترمذي : ج 5 ، ص 112 .