وتكريس الأنانية ، إلا المتقون الذين يعرفون أن حب الدنيا أصل كل انحراف فيطهرون بالزكاة قلوبهم من حبها .
[ 19 ] وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى فلم ينفق ماله جزاء على نعمة سبقت إليه من المنفق عليه ، ولم يطلب لإنفاقه جزاء حتى ولو كان من نوع طلب الشكر ، أو محاولة إخضاع الفقير لسلطته ، وتكريس حالة الطبقية بهذا الإنفاق ، كإنفاق الكثير من المترفين والمسرفين .
[ 20 ] كلا . . إنما ينفق لوجه الله ، وابتغاء مرضاته ، وسعيا وراء الجنة التي وعد الله المنفقين . إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ووجه الله رضاه وما أمر به ، ومما أمر به طاعة أوليائه .
[ 21 ] لأنه ابتغى رضوان الله فإن الله يرضيه بفضله . وَلَسَوْفَ يَرْضَى وهل هناك غاية أسمى من الرضا ؟ أليس الإنسان دائم التطلع عريض الطموح ، فكيف يرضى ؟ بلى ، أنى كانت رغبات الإنسان عظيمة فإن الجنة أعظم ، وفضل الله أكبر .
وهذه السورة بمجملها ولا سيما خاتمتها تكرس في الإنسان حس المسؤولية ، بيد أن بعض القدرية حاولوا تفسيرها بما يتناسب ونظرية الجبر التي تنتزع حس المسؤولية عن القلب ، فإذا كان كل شيء كتب بالقلم وحتى عمل الإنسان فأين مسؤوليته ؟ ! ولماذا يحرضنا الله على العطاء ولا نملك من أنفسنا شيئا ، ولماذا يحذرنا النار ولسنا الذين نقرر الدخول فيها أو اجتنابها ؟ هكذا جاء في صحيح مسلم عن أبي الأسود الدؤلي قال : [ قال لي عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أين قضي ومضى عليهم من قدر سبق ، أو فيما يستقبلون مما آتاهم به نبيهم . وثبتت الحجة عليهم ؟ ! فقلت : بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم ، قال : فقال : أفلا يكون ظلما ؟ ففزعت من ذلك فزعا شديدا ، وقلت : كل شيء خلق الله وملك يده ، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، فقال لي : يرحمك الله . إني لم أرد فيما سألتك إلا لأحرز عقلك ] « 1 » .
وإن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالا : يا رسول الله ! أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه . أشيء قضي عليهم ومضى ، من قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلون به مما آتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم ؟ فقال :
[ لَا بَلْ شَيء قُضِيَ عَلَيْهِم وَمَضَى فِيْهِم ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الله عَزَّ وَجَل
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ( 7 ) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ] « 2 » .
ويبدو لي أن هناك خلطا فظيعا حدث عند البعض بين الإيمان بالقضاء والقدر ، وبين الأخذ بنظرية الجبر اليهودية التي زعموا فيها : أن يد الله مغلولة ، وأن الله لا يقدر على تغيير
هامش
( 1 ) صحيح مسلم : ج 8 ، ص 49 - 48 .
( 2 ) انظر القرطبي : ج 20 ص 76 ، تهذيب الكمال للمزي : ج 4 ص 389 .