[ 2 ] قسماً بالليل إذ يحيط بالأشياء ، وبالنهار إذ يتجلى بنوره ونشاطه ودفئه وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى .
[ 3 ] منذ نعومة أظفارها تحب الطفلة أن تحضى بتماثيل تزعم إنها أولادها ، ومنذ نعومة أظفاره يحب الطفل ما يزعم أنه سلاحه ، ما الذي فرق بين مشاعرهما ؟ وتنمو الطفلة وتتميز عن الطفل أكثر فأكثر بيولوجيا وسيكولوجيا ، وكما يتميز الجنسان عند البشر كذلك في سائر الأحياء والنباتات ، فسبحان الذي خلق الزوجين ، يتكامل أحدهما بالآخر ! وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى .
[ 4 ] وكما اختلف الذكر عن الأنثى ، والليل عن النهار ، كذلك يختلف سعي الإنسان . لو نظرت إلى خلية هل تستطيع أن تتنبأ بأنها سوف تتفتق عن مولود ذكر أم أنثى ؟ كلا . . ولكن الله يقدر لها ذلك حسب ما يرى من حكمة بالغة ، كذلك حين تنظر إلى فعلة يرتكبها شخص قد لا تعرف إنها ستكون وسيلة لإنشاء حضارة أو تدمير حضارة ولكن الله يعلم ذلك ويهدينا إليه بفضله . هناك إنفاق في سبيل الله ينمي المال ، ويزكي القلب ، وينشط الدورة المالية في المجتمع ، وهناك إنفاق يماثله في الظاهر ، ويناقضه في المحتوى ، يوقف مسيرة التكامل في المجتمع . هناك قتال في سبيل الله يكون بمثابة عملية جراحية ناجحة ، وآخر يكون في سبيل الطاغوت ، يهدم المجتمع ، ويبيد الحضارة ، والناس لا يرون إلا ظاهر القتال دون أن يعرفوا هدفه ووجهته ونفعه وضره . . ولكن الله يهدينا إلى أن هذا سعي حسن وأن ذاك سعي هدام . إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى .
[ 5 ] كل ابن أنثى يكدح في حياته ، ويسعى ، ويصارع الأقدار ، ولكن الذي يعطي ماله في سبيل الله ، ويتقي الحرام هو الذي ينتفع بعطائه . فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى إنه يختلف عمن يعطي ويمن أو يعطي مما سرقه من الناس ، أو يختار أفسد ما عنده للعطاء ، أو يضعه في غير محله للمداحين والمتملقين من حوله ، أو يهدف من عطائه رياء وسمعة وسيطرة على المستضعفين ؛ فإن عمله لا يتقبل منه لأن الله يقول : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [ المائدة : 27 ] بل يكون وبالا عليه يوم القيامة ، وضيقا وحرجا في الدنيا .
[ 6 ] ما الذي يجعل سعي الإنسان وعطاءه زكيا نقيا مرضيا ؟ إيمانه بالله ، وتصديقه برسالاته ورسله . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى لأن الإيمان بالله يحدد وجهة الإنسان ، فليس سواء من يسعى إلى المسجد ومن يسعى إلى الملهى ! ثم هنالك من يريد المسجد ولا يعرف السبيل إليه ، فمن يحدد لنا سبل السلام ، ويضعنا على المحجة البيضاء حتى نصل إلى حيث الخيرات ؟ هم الرسل . فمن كذب بهم ضل السبيل ، وكان كمن يريد مكة ، ولكنه يضل طريقه فيصل إلى اليمن .
وسميت الرسالة بالحسنى لأنها تهدينا إلى أحسن السبل لأحسن الأهداف . وقد جاء في
من هدى القرآن — صفحة 220
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٢٠