وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ إن سنن الحياة الدنيا والآخرة ومقاييسهما حقائق قائمة وثابتة لا تتغير ( مستقرة ) ، فلا يمكن تغييرها بهوى النفس أو بتمنيات البشر ، وتشير هذه الآية إلى ما بينته الآيات الأخرى كقوله سبحانه :
- لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [ الرعد : 38 ] .
- وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الأعراف : 128 ] .
- وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [ طه : 69 ] .
- إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [ الإسراء : 81 ] .
كما أن قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله :
« الأُمُورُ مَرْهُونَةٌ بِأَوْقَاتِهَا »
« 1 » مستوحاة من هذه الآية الكريمة ، وهذا التفسير يجمع بين آراء المفسرين القائلة بأن الأمر المستقر هو العواقب ، أي أن عاقبة الأمور مستقرة على قيم وسنن ثابتة ، كما ترسو السفينة بالتالي عند الشاطئ ، أو مَنْ قالوا : بأن عاقبة الخير الحسنى والشر السوأى ، وقال بعضهم : إنها القيامة حيث تستقر عندها سفينة الدنيا ، لأنها تبرز بوصفها أمراً واقعيًّا محسوساً ، ويتميز الحق من الباطل .
بلى ؛ إن كل أمر واقعي حق سوف يستقر مكانه ، ويتكرس أكثر فأكثر رغم الظروف والعوامل المضادة ، واستقراره أعظم دلالة من ملايين الكلمات ، فلو اجتمع الإنس والجن على إنكار وجود الجبال ، وجاؤوا بملايين الأدلة ، هل يتغير الواقع ؟ كلا . . ذلك أن المحور الحقيقي هو الواقعيات الخارجية الحقة ، وليست الأهواء والتمنيات والظنون ، ولعل معنى حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ التي تأتي لاحقاً هو هذا الأمر ، إذ إن الحكمة هي وضع الشيء موضعه ، ولا يقدر على ذلك إلا من عرف السنن الإلهية النافذة في الخلق ، والنظام العادل الحاكم في كل شيء ، وإنما كانت رسالات الله حكمة بالغة لأنها تهدي الإنسان إلى المستقرات من الحقائق الواقعية ، ومن ثم إلى منهج الحياة الأقوم والقائم على أساسها .
[ 4 ] وإذا كانت القيم والسنن هي المستقرة ( لا الأهواء ) فإن أعذار أولئك الكفار تذهب باطلا . أوليس قد توافرت الشواهد على صدق الرسالة ، فَلِمَ كفروا بها ؟ أوَليس قد تواترت الأنباء على أن من كفر بها هلك ، وكفى بذلك زاجرا ؟ .
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ومن تلك الأنباء آية انشقاق القمر ، والمزدجر هو التخويف والترهيب ، وربنا لم يكتف بإرسال الآيات ، وبيان القوانين للإنسان ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 74 ، ص 166 .