بل وأقام عليه الحجة البالغة حينما حذره من مخالفتها :
« وَلِئَلَّا يَقُولَ أَحَدٌ :
لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا
مُنْذِراً وَأَقَمْتَ لَنَا عَلَماً هَادِياً
فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ] « 1 » .
[ 5 ] وليس في آيات الله تعالى نقص أبدا ، بل فيها الحجة القاطعة ، إذ جعلها الله من الوضوح والكمال درجة لا عذر لأحد في الإعراض عنها وعن دلالاتها ، فهي كما يصفها تعالى : حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ والبلوغ هنا بمعنى التمام والكمال ، ومنه بلغ الرجل إذا اكتمل نفسيًّا وعقليًّا وعضويًّا ، وبلغت الثمرة إذا نضجت وحان قطافها . وهناك معنى آخر تنطوي عليه الكلمة وهو الوصول . والحكمة الإلهية كاملة عمقا وشمولا ، لا يعتريها نقص في المحتوى ولا الأسلوب . ثم إن الله أوصلها إلى الناس عبر أنبيائه المبلغين ، فلا عذر لهم بأنه لم يرسل رسولا ، وهذه الآية تشبه قوله تعالى : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] .
إذن فالحياة ليست فوضى ، بل ولها قوانينها وسننها المستقرة الثابتة ، والإنسان يحتاج إلى الحكمة البالغة المنطلقة من تلك الواقعيات الحق ، لكي يعيش فيها كما ينبغي ، وهذه نجدها مبثوثة في كتاب الله ، الحكمة البالغة العظمى ، والنعمة الكبرى ، والهدية الإلهية إلى الإنسان ، وقد بلغها رسوله صلى الله عليه وآله . فلماذا إذن هذا الضلال الذي تعيشه البشرية ؟ .
والجواب : لأنها لم تؤمن به ، ولم تطبق آياته . إنها وضعت بينها وبين تلك الحكمة حجب الإعراض والتبرير والتكذيب والهوى .
فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ كان يفترض أن تزجرهم عن الضلال والباطل فإذا بها تزيدهم طغيانا وكفرا ، وكان ينبغي أن تبكيهم فإذا بهم يضحكون ويهزؤون ، وجاءت لتذكرهم فإذا بهم يتوغلون في الغفلة . والقرآن يبين هذه الحقيقة في أواخر سورة النجم ، ويستنكر على المكذبين واقعهم : أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ( 59 ) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ( 60 ) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ [ النجم : 59 - 61 ] .
[ 6 ] وإذا وصل الإنسان إلى حد الإعراض عن الحكمة البالغة أوكله الله إلى نفسه ، فلا تُرتجى له هداية بعد ذلك ، وصرف عنه أولياءه ، ليزداد إثما على إثم ، ويتسافل دركا بعد درك ، فيلقى جزاءه المريع الذي يقصر عنه خيال البشر .
ويأمر ربنا مكرراً أصحاب الرسالة بترك المعرضين عنها ، ونتساءل : لماذا ؟ . إنما لحكمة بالغة تتمثل في أن الاستمرار في إنذارهم ومحاولة هدايتهم سوف يتسبب في ضياع وقت كثير
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 99 ، ص 104 .