النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ « 1 » نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ « 2 » ( 20 ) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 21 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 22 ) .
هدى من الآيات :
إذا كانت هداية البشر هدف رسالات الله فإن الوسيلة المثلى التي تتبعها هي تذكرته وإنذاره ، لكي تتساقط حجب الغفلة والكبر عن قلبه . إن في ضمير الإنسان خوفا دفينا من مستقبل مجهول ، ويستثير القرآن هذا الخوف بتذكرته بالساعة ، وما الساعة ؟ إنها أدهى وأمرُّ .
وهذا النهج نجده أكثر تجليا في السورة المكية ذات المقاطع القصيرة ، وبالذات سورة القمر التي تتجلى فيها هذه الوسيلة بأظهر مصاديقها ، وقد سُمِّيت بذلك بسبب إشارتها إلى آية انشقاق القمر ، الظاهرة التي حدثت في عصر الرسول صلى الله عليه وآله بمكة المكرمة ، حسب ما يقول أغلب المفسرين .
ويصل القرآن بين هذه الظاهرة المعجزة واقتراب يوم القيامة لأنه قريب من بعثته صلى الله عليه وآله ، وهو القائل :
« بُعِثْتُ وَالسَّاعَة كَهَاتَين ،
وأشار بالسبابة والوسطى التي تلي الإبهام ] « 3 » دلالة على قربهما الزمني ، أي لا يلبث العالم بعده أن يشهد الساعة ، وقال علي بن إبراهيم رضي الله عنه :
« قَرُبَتِ القِيَامَةُ فَلَا يَكُونُ بَعْدَ رَسُولِ الله
صلى الله عليه وآله
إِلَّا القِيَامَةُ وَقَدِ انْقَضَتِ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ »
« 4 » .
وسواء كانت الساعة بعد آلاف أو ملايين السنين من بعثته صلى الله عليه وآله فإنها قريبة إذ كل آت قريب ، ولأن البعد والقرب لا يقاسان بحياة الإنسان المحدودة في الدنيا ، بل يقاسان بما في الكون من أرقام وأبعاد زمانية كبيرة ، فقد يكون عمر الشمس عشرة ملايين سنة ولكنها انقضى أكثرها ، وأصبحت نهايتها قريبة جدَّا ، ثم ما هي نسبة هذه المدة إلى الزمن اللامتناهي الذي يلي الحياة الدنيا ؟ ! .
إن الكفار كذبوا هذه الآية المعجزة مع وضوحها ، وأعرضوا عن دلالاتها ، ولكنهم لم يكونوا أول ولا آخر المكذبين ، فقد سبقهم إلى هذا الضلال قوم نوح وعاد ، وكانت عاقبة أولئك الخزي والعذاب ، فلا ينبغي للرسالي أن يصاب بهزيمة نفسية إذا رفض البعض الاستجابة إلى
هامش
( 1 ) أعجاز : أصول .
( 2 ) منقعر : منقلع عن مغارسه ؛ لأن قعر الشيء قراره ، وتقعّر في كلامه إذا تعمّق .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 6 ، ص 315 .
( 4 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 340 ، بحار الأنوار : ج 17 ، ص 351 .