فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ كلٌّ إلى مقصده . وهذه الدعوة المنطوية على الأمر بالسعي لشؤون الدنيا تهدينا إلى أن الصلاة والعبادة ليست بديلا عن ممارسة الحياة الطبيعية والاجتماعية ، كما فهمها بعض المتصوفة ، فالدين منهج لتوجيه الإنسان وقيادة الحياة ، يجد الناس فيه فرصة للعبادة ومنهجا للسعي والعمل ، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام يفسر هذه الآية :
« إِنِّي لَأَرْكَبُ فِي الحَاجَةِ الَّتِي كَفَانِيهَا اللهُ مَا أَرْكَبُ فِيهَا إِلَّا لِالتِمَاسِ أَنْ يَرَانِيَ اللهُ أُضْحِي فِي طَلَبِ الحَلَالِ أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَ الله عَزَّ وجَلَّ :
فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ بَيْتاً وطَيَّنَ عَلَيْهِ بَابَهُ ، وقَالَ رِزْقِي يَنْزِلُ عَلَيَّ كَانَ يَكُونُ هَذَا أَمَا إِنَّهُ يَكُونُ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ دَعْوَةٌ .
قُلْتُ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ :
رَجُلٌ عِنْدَهُ المَرْأَةُ فَيَدْعُو عَلَيْهَا فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ لِأَنَّ عِصْمَتَهَا فِي يَدِهِ ولَوْ شَاءَ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهَا ، والرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ فَلَا يُشْهِدُ عَلَيْهِ فَيَجْحَدُهُ حَقَّهُ فَيَدْعُو عَلَيْهِ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا أُمِرَ بِهِ ، والرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ فَيَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ فَلَا يَنْتَشِرُ ولَا يَطْلُبُ ولَا يَلْتَمِسُ الرِّزْقَ حَتَّى يَأْكُلَهُ فَيَدْعُو فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُ »
« 1 » ، بلى ؛ إن فضل الله ورزقه يُنال بالسعي والعمل الحثيث من أجله ، لذلك يقول تعالى بعد الدعوة للانتشار : وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي إنكم حينئذ في موضع يُرتجى فيه الفضل والرزق أو تجدون أنفسكم أمام فضل من الله تصيبون منه رزقكم .
وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وأهمية الاستمرار في ذكر الله للإنسان حيث ينتشر في الأرض ويبتغي من فضل الله أنه يجنبه الانحراف والوقوع في الأخطاء بسبب نسيان الله ، فإن ذاكر الله لا يسعى نحو الحرام ، ولا يسلك الطرق الملتوية ، ولا يغش الناس ويضرهم ، فهو يُرتجى له الصلاح والفلاح .
ومن اللطائف الواردة في هذه الآية أنه تعالى قال : فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ ببناء الفعل للمجهول في حين يفترض أن يقول : فإذا قضيتم الصلاة ، وصلًا بخطابه الآنف للمؤمنين ، إلا أن هذه الصيغة للفعل تعطي حرمة لوقت الصلاة بالذات ، بحيث يكون المفهوم أن البيع وقت صلاة الجمعة المستوفية شروطها حرام لمن شهد الصلاة مع المسلمين ولمن لم يشهدها عمدا ، ولو جاء التعبير للمعلوم : فإذا قضيتم الصلاة لكان الحكم منحصرا بالمصلين فقط ولا يشمل غير المصلين .
[ 11 ] وبعد أن يرسم الوحي للمؤمنين الموقف المطلوب تجاه صلاة الجمعة - وهو السعي لذكر الله وترك البيع وقتها - ينثني السياق القرآني لنقد ظاهرة الانفضاض إلى شؤون
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 17 ، ص 28 .