تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
الدنيا وتقديمها على الصلاة ، مما يشير إلى وجود ضعف في الإيمان لدى المجتمع ، وانخفاض في مستوى التفاعل مع شعائر الدين وبرامجه . وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً خوف أن يفوتهم ذلك أو يسبقهم الآخرون إليه ، وهذه الظاهرة تنطوي على هزيمة أمام جموح النفس وميلها العظيم للدنيا ، مما يكشف عن ضعف الإيمان الذي يريده الإسلام مقدما وما يتصل به على كل شيء في حياة أبنائه . وقد استفاد الفقهاء والمفسرون حكماً باستحباب الوقوف أثناء خطبتي الجمعة من هذه الآية إذ وصفت الرسول قائما بعد الانفضاض . وعن أبي بصير : [ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجُمُعَةِ كَيْفَ يَخْطُبُ الإِمَامُ ؟ قَالَ عليه السلام : يَخْطُبُ قَائِماً إِنَّ الله يَقُولُ : وَتَرَكُوكَ قَائِماً ] « 1 » . ويعالج القرآن هذه الظاهرة السلبية التي تنم عن ترجيح التجارة واللهو على حضور الصلاة ببيان أن ما عند الله الذي يتأتى بالتزام مناهجه خير من ذلك كله . والآية نفسها فضح للاعتقاد بالتناقض بين الالتزام بالدين وبين الدنيا ، والذي يقع فيه البعض عمليًّا فلا يرون إمكانية الجمع بين الاثنين فيرجحون الدنيا باعتبارها الأجر المقبوض على الآخرة المؤجلة . والحقيقة أن خير الالتزام بمناهج الله في الحياة ليس مقتصرا على الآخرة فقط ، بل يشمل الدنيا أيضاً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فالذي يريد كل الخير معنويًّا وماديًّا ، وفي الدنيا والآخرة مَا عِنْدَ اللَّهِ فإن سبيله اتباع نهجه القويم ، وأي خير في تجارة لا تقوم على هدى الوحي وتقوى الله ؟ إنها تزرع الطبقية المقيتة ، والفقر ، وتسبب الانحطاط في الاقتصاد . وفي ترتيب كلمات الآية الكريمة ملاحظة جديرة بالالتفات ، ففي البداية عندما أراد الله بيان ظاهرة الانفضاض عن الصلاة قدم التجارة - وهي الأهم - على اللهو ، وذلك ليبين مدى ترجيح البعض لأمور الدنيا على شؤون الدين ، فهم ليس تستخفهم التجارة وحسب بل يتأثرون بما هو أبسط وأقل شأنا منها وهو اللهو . وحيث أراد التأكيد على أن ما عنده أفضل مما ينفض له الناس قدم الأدنى على الأهم تدرجا ، فما عند الله ليس خيرا من اللهو بل حتى مما هو فوقه كالتجارة . بلى ؛ إن البعض ومنهم التجار لا يلتزمون بالشعائر الدينية خشية الخسارة أو أن تفوتهم أرزاقهم ، ولكن الله يؤكد لهم العكس وهو أن الصلاة وبالذات صلاة الجمعة تجلب الرزق ، باعتبارها صلة الإنسان بضامن الرزق ومعطيها ، بل بخير الرازقين .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 7 ، ص 334 ، تفسير القمي : ج 2 ص 367 .