مع معارفه « 1 » ، وعدم القراءة والكتابة مظهر واحد من مظاهر التخلف والجهل ، وللجاهلية مظاهر شتى تصدق عليها جميعا كلمة الأمي التي يبدو أنها غلبت لتشمل كل أبعاد الجاهلية ، ونستوحي ذلك من استخدام القرآن الحكيم لها في سياق حديثه عن أهل الكتاب وهم يقرؤون ويكتبون وفيهم دعاة العلم إذ قال : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [ البقرة : 78 ] ، ولكن لماذا بعث الله رسوله في الأميين بالذات ؟ .
1 - إذا أخذنا بالتفسير الأول ( أنهم أهل مكة ) فذلك تجلٍّ لحكمة الله حيث يبعث رسله في مركز البلاد وأكبر مدنها وأهمها وحيث بؤرة الفساد والضلال ، فإن ذلك أكبر أثرا في التغيير .
2 - وعلى التفسير الأظهر ( أنهم الجاهليون ) نهتدي إلى أن الله يستنقذ البشرية حينما تتجه حضارتها نحو الدمار والانتهاء .
ثم إن الله حين بعث رسوله في الوسط المتدني في العلم عرفنا بأن الرسالة لم تكن تكاملًا ذاتيًّا وصلت إليه البشرية والمدنية ، كلا . . إنها كالغيث الذي ينزل من السماء على أرض جرداء فيملؤها خصبا وجمالا . إنها كما أشعة الشمس تهبط على وديان الظلام فتنشر عليها الضياء والروعة . إنها تأتي من خارج إطار السياق التاريخي فتحدث فيه ثورة بديعة وتحولا عظيما لا نجد له أي تفسير إلا في الرسالة ، وليس كما يدعي البعض أنها مجرَّد عامل مساعد لعوامل حضارية لدى العرب ، فإن الدلائل التاريخية كلها تشير إلى وجود جاهلية ( أمية ) شاملة في كل الأبعاد في المحيط الذي بعث فيه الرسول صلى الله عليه وآله عبرت عنها فاطمة بنت محمد عليها السلام بقولها عن أبيها :
« ابْتَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى إِتْمَاماً لِأَمْرِهِ ، وَعَزِيمَةً عَلَى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ ، وَإِنْفَاذاً لِمَقَادِيرِ حَتْمِهِ ، فَرَأَى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا ، عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا ، عَابِدَةً لِأَوْثَانِهَا ، مُنْكِرَةً لله مَعَ عِرْفَانِهَا ، فَأَنَارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَهَا ، وَكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَهَا ، وَجَلَا عَنِ الأَبْصَارِ غُمَمَهَا ، وَقَامَ فِي النَّاسِ بِالهِدَايَةِ ، وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ الغَوَايَةِ ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمَايَةِ ، وَهَدَاهُمْ إِلَى الدِّينِ القَوِيمِ ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ . . »
« 2 » ، وقالت عليها السلام : [ . . . وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ
مُذْقَةَ الشَّارِبِ ، وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ ، وَقَبْسَةَ العَجْلَانِ ، وَمَوْطِئَ الأَقْدَامِ ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ ، وَتَقْتَاتُونَ الوَرَقَ ، أَذِلَّةً خَاسِئِينَ ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ . . . »
« 3 » .
وهناك سؤال : لماذا سُمِّي النبي أُميًّا ، وقال الله تعالى : رَسُولٌ مِنْهُمْ ، فما هي النعمة في
هامش
( 1 ) قال الإمام الصادق عليه السلام :
« كَانُوا يَكْتُبُونَ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ الله وَلَا بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا فَنَسَبَهُمْ إِلَى الأُمِّيِّين »
بحار الأنوار : ج 9 ، ص 243 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 29 ، 220 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 29 ، ص 223 .