أساس موقفهم السلبي ضد الدين وأتباعه .
والبر عموم الإحسان ، ومنه التواصل ، وتبادل الاحترام ، ومقابلة الإحسان بمثله ، أما القسط فقد قيل : هو اقتطاع بعض المال وإعطاؤه لهم قرضا أو غيره . والأظهر أنه العدالة الظاهرية والباطنة التي هي أسمى درجات العدل « 1 » وهذا الحكم الإلهي يبين كيف أن مجرد الكفر واعتناق المبادئ المغايرة للدين ليس وحده مبررا لاستباحة حرمة الإنسان ماله وعرضه ونفسه حيث أن الكفار لا يساوق هدر الحرمات والحقوق ، وإنما هو العداء ، وفي نهاية الآية يحث ربنا على الإقساط إذ يقول : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ويريد للمؤمنين به أن يكونوا كذلك ، ولعل قوله : يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ تخصيص للقسط بالذات على وجه الترجيح له على البر . وحيث يبيح ربنا هذا اللون من العلاقة مع الكفار المسالمين فإنه لا يفرض قيدا محددا على المؤمنين ، وذلك يعني أنهم ( قيادة ، ومجتمعا ) هم الذين يُشخِّصون الموقف ، وطبيعة العلاقة المطلوبة حسب متغيرات الواقع . وقد جاء في الأثر : [ أن أسماء بنت أبي بكر سألت النبي صلى الله عليه وآله : هل تصل أمها حين قدمت عليها مشركة ؟ قال صلى الله عليه وآله :
نَعَمْ »
« 2 » .
[ 9 ] ويعود السياق ليؤكد الأمر بالمقاطعة وينهى عن التولي : إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ بالتحالف مع الأعداء المحاربين ، أو إعانتهم بأية صورة ووسيلة ، فإنه محرم عليكم أن تتولوهم أو تبروهم ، ومن يتولهم يشاركهم في كل ظلم يصل إلى المؤمنين من قبلهم ، ويناله العذاب من عند الله ، ويجب على المؤمنين في الدنيا احتسابه من الجبهة المعادية ، والوقوف منه كموقفهم من الظالمين أنفسهم أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ .
وبالمقارنة بين الآيتين ( الثامنة والتاسعة ) نتوصل إلى التالي :
1 - أن إباحة البر والقسط تجاه غير المحاربين من الكفار ، وعدم تعرض الآية لذكر التولي لا يعني أنه سائغ ، كلا . . إنما يعني أن حد الإباحة هو البر والقسط دون التولي .
2 - أن مجرد البر والإقساط للكفار المحاربين محرم على المؤمنين ، ولكن لماذا ؟ .
أولًا : لأن القسط ليس ضروريًّا مع المحاربين ، لأن دمهم ومالهم حلال . أوليس يستحلون ذلك منا ؟ .
ثانياً : أن القسط هنا ليس بمعنى العدالة إنما هو فوقها ، وهو في الحقوق يشبه الإيثار
هامش
( 1 ) مر كلام مفصل حول العلاقة بين العدل والقسط في سورة الحجرات .
( 2 ) تفسير القرطبي : ج 18 ، ص 59 .