بملائكة الحسنات لكثرة الصالحات عندهم ، فهم لا يبرحون يصلونهم بها بين الحين والآخر ، فيصحبهم أولئك الملائكة عند الحساب ، يُبيِّنون حسناتهم ، ويشفعون لهم عند الله . ومن كانت هذه صفته فإنه يصير إلى منزلة عظيمة من الجزاء والرضوان عند الله .
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ يعني منزوع الشوك ، مما يجعل قطف ثماره خاليا من الأذى والمشقة ، والمخضود : مَثْني الأغصان من غير كسر ( أيضا ) إشارة إلى كثرة ثمارها وورقها اللذين يثقلان الغصن فيثنيانه ، والسدر : شجر النبق ( الكنار ) « 1 » ، وله فوائد جمة منها : ثمره ، وظله ، ومنظره الجميل . جاء في الحديث عن سليم بن عامر قال : [ كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقولون : إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم ، قال : أقبل أعرابي يوما فقال : يا رسول الله ! لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية ، وما أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها ؟ قال رسول الله :
وَمَا هِيَ ؟
قال : السدر فإن له شوكا مؤذيا ؟ فقال صلى الله عليه وآله :
أَوَلَيْسَ يَقُولُ :
فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ؟
خَضَدِ اللهُ شَوْكَهُ فَجَعَلَ مَكَانَ كُلِّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةً ، فَإِنَّهَا تُنْبِتُ ثَمَراً يَفْتُقُ الثَّمَرُ مِنْهَا عَنْ اثْنَينِ وَسَبْعَينَ لَوْناً مِنَ الطَّعَامِ مَا فِيْهِ لَوْنٌ يُشْبِهُ الآَخَرَ »
« 2 » وقال سعيد بن جبير : [ ثمرها أعظم من التلال ] « 3 » . والحرف فِي يفيد الإحاطة والدوام ، فهم محاطون بما يذكر من النعم .
وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ أي : [ متسق منظم مضموم بعضه إلى بعض ، وتنضدت الأسنان تراصفت ] « 4 » ، وعن الإمام الصادق عليه السلام قال :
« بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ »
« 5 » وقال تعالى : وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ ق : 10 ] ، متسق ، واختُلف في الطلح على أقوال أشهرها وأقربها أنه الموز ، وهو من ألذ الفواكه وأشهاها .
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ أي دائم متصل واسع ، وقال تعالى : * مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا [ الرعد : 35 ] . وفي حديث آخر عن الرسولصلى الله عليه وآله قال : [ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ »
« 6 » وفي الخبر :
« أنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَقْطَعُهَا اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُم
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ] « 7 » وكان الظل يعني شيئا كثيرا في محيط الجزيرة العربية حيث يتعرض الناس عادة لأشعة الشمس الحارقة .
هامش
( 1 ) قال صاحب المنجد : الكنار النبق ( بالعامية والفارسية ) .
( 2 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 207 .
( 3 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 207 .
( 4 ) المنجد : مادة نضد .
( 5 ) نور الثقلين : ج 5 ، ص 215 .
( 6 ) الكافي : ج 8 ، ص 99 .
( 7 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 109 .