يملكون النعم ، وإنما هي أمانات الله استخلفهم فيها ، فلماذا يخرجون عن أمره بإنفاقها ؟ ! يقول سبحانه :
- وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] .
- وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [ القصص : 77 ] .
وكما أن الإحسان يجلب الإحسان والزيادة في النعم ، فإن الإساءة والفساد في الأرض يسلبان النعمة ، بل ويجعلناها نقمة ، قال ربنا سبحانه : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ؟ [ الإسراء : 7 ] .
[ 62 ] ثم يمضي السياق يحدثنا عن جنتين أخريين ، تختلفان في نعيمهما عن الأوليين : وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ يبدو من المقارنة بين الجنان الأربع وسائر النصوص أن درجات الجنة عديدة والناس فيها متفاضلون ، فبالرغم من أن أهل الجنة جميعهم منعمون وراضون بما قسم الله لهم من الفضل ، ولكنهم كما تفاوتوا في الإيمان والعمل في الدنيا فإنهم يتفاوتون ويتفاضلون في درجات الجنة ، قال تعالى : هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [ آل عمران : 163 ] ، وحتى الأنبياء يتفاضلون فيما بينهم ، قال الله : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ البقرة : 253 ] ، وهذا التفاضل الذي يقره الله ليس اعتباطيًّا ، إنما يعتمد الحكمة والعلم قال تعالى : نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [ الأعراف : 83 ] .
وقال النبي صلى الله عليه وآله :
« جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ أَبْنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ أَبْنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا »
« 1 » ، وقال الإمام الصادق عليه السلام يخاطب أحدا :
« لَا تَقُولَنَّ إِنَّ الجَنَّةَ وَاحِدَةٌ إِنَّ الله يَقُولُ :
وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ
وَلَا تَقُولَنَّ دَرَجَةً وَاحِدَةً إِنَّ الله يَقُولُ : [ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ] « 2 » إِنَّمَا تَفَاضَلَ القَوْمُ بِالأَعْمَال »
« 3 » .
ولكن اختلاف الدرجات والتفاضل لا يُخلِّف أثرا من حسد أو بغضاء بين المؤمنين هناك بعكس حال أهل الدنيا حيث يتعالى الغني على الفقير ، أو العالم على الجاهل ، أو الحاكم على المحكوم ، قال ربنا : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [ الحجر : 47 ] ، فهم راضون قانعون بما قسم الله لهم ، إذن يعلمون بحكمته وأنهم الذين وضعوا أنفسهم
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 105 .
( 2 ) قوله عليه السلام : [
دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ »
اقتباس من القرآن وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ وليس بنص .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 105 .