تقاته ، فأحسنوا بذلك في الدنيا . . لقد أحسنوا التصرف في نعم الله وآلائه كلها ، فكان من إحسانهم بذلهم إياها للآخرين . إنهم أدركوا بعمق معنى الخوف من مقام ربهم ، فلم يجعلوه محدودا بقلوبهم ، بل جعلوه برنامجا متكاملا لحياتهم ، وإذا بهم يفيضون فاعلية وعطاء وتضحية ، فتراهم يبذلون كل ما يملكون ، اتقاء غضب الله ، وطمعا في رضاه وثوابه ، ولن تذهب أعمالهم سدى ، ولو كان بمقدار حبة من خردل خيرا يأتي به الله ليجزي عليه صاحبه إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ التوبة : 120 ] ، إنما يحفظه وينميه وينمي به خير فاعله ، ويرده عليه في الدنيا والآخرة : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [ البقرة : 276 ] ، ولقد فطر الله الحياة بهذه السُّنة ، أن الإنسان يحصد ما يزرع ، فإن زرع خيراً حصد الخير ، وإن زرع الشر لا يحصد إلا الشر هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ إنها حقيقة فطرية يشهد بها الجميع : أن الإحسان لا يكافأ إلا بالإحسان وتتجلى هذه الحقيقة في أبهى صورها في الجنة ، وهكذا القرآن يستثير في البشر ركائز فطرتهم ليستشهد بها على أنفسهم بما جبلوا عليه ، وتعارفوا فيما بينهم به .
يروى عن علي بن سالم أنه قال : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام يَقُولُ :
« آيَةٌ فِي كِتَابِ الله مُسَجَّلَةٌ
، قُلْتُ : مَا هِيَ ؟ . قَالَ عليه السلام :
قَوْلُ الله تَعَالَى
: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ
جَرَتْ فِي الكَافِرِ وَالمُؤْمِنِ وَالبَرِّ وَالفَاجِرِ ، وَمَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ بِهِ ، وَلَيْسَ المُكَافَاةَ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صُنِعَ حَتَّى تُرْبِيَ ، فَإِنْ صَنَعْتَ كَمَا صُنِعَ كَانَ لَهُ الفَضْلُ بِالِابْتِدَاءِ »
« 1 » .
وجاء في حديث مأثور عن النبي صلى الله عليه وآله - في تأويل الآية -
« مَا جَزَاءُ مَنْ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إِلَّا الجَنَّة »
« 2 » .
[ 61 ] وتنعكس هذه الآية على سلوك المؤمن فيتخذ آلاء ربه المسبغة عليه سُلَّماً إلى الكمال الروحي ، وبناء المجتمع ، وسببا إلى نيل رضوان الله ، وليست وسيلة إلى التكذيب به تعالى كما يفعل الكثير من الجن والإنس .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ أوليس قد أحسن الله إليهم وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، فكذبوا بآلائه ؟ ! ولماذا نبخل على الآخرين ؟ ! وما يدريك لعل الله يقطع إحسانه عنا إذا تركنا الإحسان إلى الناس ، أَوَليس لله ملكان يناديان كل ليلة جمعة :
« اللَّهُمَّ أَعْطِ كُلَّ مُنْفِقٍ خَلَفاً وأَعْطِ كُلَّ مُمْسِكٍ تَلَفاً »
« 3 » فعلام البخل إذن ؟ ! كما أن في داخلهم إحساسا عميقا بأنهم لا
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 8 ، ص 105 .
( 2 ) التوحيد للصدوق : ص 22 .
( 3 ) الكافي : ج 4 ، ص 67 .