وتجمد طاقته بالحتميات التي تزعم أنها تحيط بالقدرة البشرية كما جدران السجن بالمجرم ، نجد أن النهج الإلهي الحنيف يفتح آفاق الرجاء أمامه ، ويعطيه الثقة بربه القادر على إنجاح طلباته ، وتغيير المعادلات والواقع إلى صالحه ، ويفند الأفكار الجبرية والقدرية بفكرة الدعاء الذي ينطلق من العبد إلى ربه ( السؤال ) وأنه فوق الحتميات والأقدار وفوق القضاء ، قال الإمام الباقر عليه السلام يخاطب زرارة رضي الله عنه :
« أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَسْتَثْنِ فِيهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله ؟ ،
قُلْتُ : بَلَى . قَالَعليه السلام
: الدُّعَاءُ يَرُدُّ القَضَاءَ وقَدْ أُبْرِمَ إِبْرَاماً ، وضَمَّ أَصَابِعَهُ »
« 1 » ، وقال الإمام الكاظم عليه السلام :
« عَلَيْكُمْ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ لِلَّهِ والطَّلَبَ إِلَى الله يَرُدُّ البَلَاءَ وقَدْ قُدِّرَ وقُضِيَ ولَمْ يَبْقَ إِلَّا إِمْضَاؤُهُ ، فَإِذَا دُعِيَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وسُئِلَ صُرِفَ البَلَاءُ صَرْفَةً »
« 2 » .
ولعل الآية التالية تدل على صفة البداء التي هي مفتاح بصيرة الدعاء فلولا أن الله قادر على تغيير الخليقة ودفع البلاء ورفع القضاء إذن لم يبق أثر للدعاء ، ومن لا يعتقد بالبداء ولا يؤمن بسلطة الله المطلقة التي لا يقيدها أي شيء مما سواه ، ومن نفسه سبحانه فإنه لا يعتقد بألوهية ، كيف وأنه يجعله تعالى أقل قدرا وقدرة حتى من الملوك إذ تُجرَّد عنه أهم صفاته وهي السلطة مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحج : 74 ] ، سبحانه وتعالى عما يصفون علوًّا كبيراً .
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال النبي صلى الله عليه وآله :
« فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْباً وَيُفَرِّجَ كَرْباً وَيَرْفَعَ قَوْماً وَيَضَعَ آخَرِينَ » « 3 » .
وقال علي بن إبراهيم رضي الله عنه :
« يُحْيِي وَيُمِيتُ وَيَرْزُقُ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ » « 4 » ،
فلا ثبات بعد الدعاء واستجابة الله ، أو بعد بِدائه عز وجل ، حتى في ليلة القدر التي تُكتب فيها أقدار الخلائق إلى مثلها من قابل فإن الكتاب ليس أبديًّا إذ اشترط ربنا لنفسه البداء فيما كتب سبحانه فيها - كما جاء في الحديث - ، وكما قال ربنا سبحانه : يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [ الرعد : 39 ] .
ولعلنا نفهم من هذه الآية أن الله يخلق كل يوم خلقا جديدا لا نعلمه ، ونجد إشارة إلى هذه الحقيقة في قول أمير المؤمنين عليه السلام :
« الحَمْدُ لِله الَّذِي لَا يَمُوتُ ولَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ لِأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ مِنْ إِحْدَاثِ بَدِيعٍ لَمْ يَكُنِ »
« 5 » .
هامش
( 1 ) أصول الكافي : ج 2 ، ص 470 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 470 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 4 ، ص 71 .
( 4 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 345 .
( 5 ) الكافي : ج 1 ، ص 141 .