وإذا حددنا عمر المجرة بخمسة عشر مليار سنة ، فلا يعني ذلك أن عمر الكون محتوم بها ، ونحن نعلم الآن أن المادة تتحول بلا انقطاع إلى طاقة ( وبتعبير أصح إلى إشعاع ) وفي داخل الظاهرات الهائلة العاصفة في الآفاق الفضائية تعيد هذه الطاقة تكوين المادة بدون انقطاع ، وإن كان سياق إعادة الخلق هذا في غاية البطء .
[ 48 ] كيف مهد الله الأرض لحياة البشر ، كيف تحطمت الصخور التي تكونت أصلا منها حتى أضحت ترابا مرنا ، يصنع منه المساكن ، ويشق فيه الطرق ، ويزرع فيه ما يشاء ؟ ولو كانت صلبة كصخور كوكب الزهرة أو رخوة كتراب القمر هل كنا نرتاح عليها ، وكيف أودع في ضميرها ما نحتاج إليها من مواد تخصب زراعتنا ، وتطهر أجواءنا وتمتص ما يضر بنا ؟ !
وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ بلى ، يا ربنا ! أنت نعم الممهد والمهيئ للأرض لعيشنا سبحانك .
[ 49 ] وبين السماء التي هي آية قدرة الله ، والأرض التي هي آية رحمة الله نجد الأحياء والنباتات والأشياء التي جعلها الله يكمل بعضها بعضا . فإذا كانت الأرض تكمل الشمس ، ويكملها القمر ، فإن البحر يكمل فوائد البر ، وهكذا السهل والجبل ، والإنسان وسائر الأحياء ، وكل أنواع النبات يكمل بعضها بعضا كما يكمل سائر المخلوقات .
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ وتتجلى هذه الزوجية في أروع صورها بين الذكر والأنثى ، التي نراها في الإنسان والحيوان والنباتات ، بل في كل شيء مخلوق حتى الذرة المتناهية في الصغر تجد فيها الجانب المنفي ( المتمثل في الإلكترون ) والجانب المثبت ( المتمثل في البروتون ) .
وهذا التكامل عنوان الحاجة المشتركة بين المخلوقات التي هي بدورها تهدينا إلى بصيرتين :
ألف : الحاجة بذاتها نعمة ، والتحسُّس بها وقود التحرك ، وإشباعها لذة الوجود ، فلو افترضنا حياة بلا حاجة إلى الطعام والشراب والراحة والجنس فهل كانت لدينا رغبة فيها . إنها أخت الموت ، وكلما ازدادت ، واشتدت ، وتنوعت الحاجة ازدادت وتنوعت واشتدت اللذة في قضائها . . أليس الشبع بعد الجوع ، والأمن بعد الخوف ، والنكاح عند الشبق أشد لذة وأعظم ؟ !
باء : التكامل وبخاصة بين الزوجين دليلنا إلى ربنا ، لأن كل شيء يحتاج إلى غيره ، فلا يتصور فيه الاستقلال والألوهية لشهادة كل محتاج أنه فقير محدود ومدبر ، وأن له ربا غنيا ،
من هدى القرآن — صفحة 430
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٣٠