ومثل ذلك الغيث الذي ينبت به الله جنات من الأشجار ومروج حب من حب الحصيد ، أرأيت النخل باسقات لها طلع نضيد ؟ إن كل ذلك أنشأه الله ليكون رزقاً للعباد .
وبكلمة صادعة يفجِّر السياق ينبوع المعرفة في القلوب الصافية ويقول : وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج . . إنها تحرق حجب التعجب والاستبعاد ، أرأيت النواة كيف تختزل حياة شجرة باسقة حتى إذا أنزل الله عليها الماء وأمدها بوسائل النمو أصبحت شجرة باسقة ، كيف لا يمكن أن يفعل مثل ذلك بالإنسان بعد موته ؟ ( الآيات : 11 - 8 ) .
ثم يصبُّ حمم الغضب على الكاذبين لكي يزيل عامل اللامبالاة عند الكفار بالبعث ، الذي قادهم إلى التعجب ، ويذكِّرهم بمصير قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع ، كيف نزل بهم وعيد الله حين كذبوا الرسل ؟
ويستشهد بالخلق أول مرة ، الذي يهدينا متانة نظمه وتنوعه إلى اقتدار خالقه وأنه كان عليه يسيراً ، أفلا يدل على أنه قادر على الخلق الجديد ؟ ( الآيات : 15 - 12 ) .
وفي آيات متواصلات يزرع القرآن خشية الرب في نفس الإنسان ، لكي يتحسس بمسؤوليته تجاه ما يتحدث به ، فيذكره بأنه خلقه ويعلم حتى ما توسوس به نفسه ، ( بالرغم من ادعاءاته الكاذبة ) لأنه أقرب إليه مما به حياته ظاهراً وهو حبل الوريد ( الآية : 16 ) .
فحين يتلقى المتلقيان - ولعلهما الملكان أو المتحدثان أنىّ كانا - ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، وهوإلى كل ذلك لا يملك دفاعاً عن نفسه حين تهجم عليه سكرة الموت بالحق فلا يدفعه بالرغم من أنه كان يحاول أبداً الحيد عنها ( الآيات : 19 - 17 ) .
أما حين ينفخ في الصور فهو يوم الجزاء الذي وعد الله ، يومئذ يؤتى بكل نفس يسوقها السائق ويرافقه الشاهد . . - هذا ما كان يتعجب منه ظاهراً ، وإنما كان غافلًا عنه - بينما اليوم يراه ماثلًا أمام عينيه ( فبصره حديد ) ( الآيات : 22 - 20 ) .
أما قرينه ( وهو الملك حسب بعض المفسرين ) فيقول هذا كتابه لدي عتيد ، قد حفظته منذ أيام حياته الأولى . هنالك يأمرهما الله بإلقائه في جهنم مع كل كفار عنيد ، مناع للخير معتد مريب . وهكذا تحمَّل جزاء ريبه النابع من تهربه عن المسؤولية ، وجَعْلِه مع الله إلهاً آخر ( الآيات : 26 - 23 ) .
أما قرينه - وهو هنا الشيطان الذي أغواه - فإنه يتبرأ منه ويقول : ربنا ليس أنا الذي جعلته يطغى - محاولة منه للهروب من مسؤولية إغوائه - إلا أن الرب يأمر بإلقائه أيضاً في
من هدى القرآن — صفحة 360
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٠