تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى فالأصل واحد ، وإذا كنا نكرم آباءنا ، فكلما تقدمنا في الزمن فلن نتجاوز أبانا الأكبر ، وجدتنا الكبرى ، آدم وحواء . فأولى بنا أن نجعلهما محورا ونكرم كل من ينتمي إليهما من سائر البشر . قالوا : والآية تدل على أن خلقة الإنسان ليست بماء الذكر فقط ، وإنما يشترك فيها ماء الأنثى كما قال ربنا سبحانه : خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [ الطارق : 6 - 7 ] . أي صلب الأب وترائب الأم . وهذه البصيرة القرآنية تنفي الفكرة الجاهلية التي كانت تزعم أن رحم الأم مجرد وعاء لنمو نطفة الأب ، وصادروا بذلك حق المرأة في انتساب الطفل إليها وقال قائلهم :
بنونا بنو آباءنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد
كلا . . الأم أحد الشريكين في الخلق ، واحترامها يساوي أو يفوق احترام الأب في الشريعة . وهكذا تنفي الآية العنصرية الجنسية التي ابتلى بها الجاهلون العرب قبل الإسلام ، ونادى بالمساواة بين الذكر والأنثى في ما يرتبط بأصل الخلق . ومن جهة أخرى فهي تدل على السَّواسية في العبودية لأن الخالق هو الله إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ والكل عبيده ، فلا تمايز بين شخص وآخر إلا بما أمر الله . وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ قالوا : الشعب مجموعة القبائل كمضر وعدنان ، بينما القبيلة هي تفرعات الشعب ، وقال بعضهم : الشعب من يُنسَبُ إلى الأرض ، بينما القبيلة تُنسَبُ إلى أصلهم . وقال آخرون : الشعب هم قبائل غير العرب . . وأنَّى كان فإن هذا التقسيم الذي يبتدئ بوحدة الأسرة ثم يتوسع إلى العشيرة ثم الفخذ والبطن حتى يصل إلى العمارة والقبيلة ثم الشعب ، لم يكن عبثا ، وإنما بهدف التعارف . لِتَعَارَفُوا فمنطق الصراع الذي اختلقه داروين مرفوض في الحياة البشرية ، إنما الناس اختلفوا ليمارس كلٌّ دوره بحرية ولتتنامى تجربة البشرية من خلال تنوعها ، ولكي يغني كل فريق تجارب غيرهم بما اكتشفه من تجارب . . وبالتالي ليتعارفوا . بلى ، إن الحكمة ذاتها التي شرعت الأسرة من أجلها قائمة في بناء الوحدات الاجتماعية الأخرى كالعشيرة والقبيلة والشعب . إن حقيقة المعرفة تحمّل الإنسان مسؤولية الاعتراف ، فمن عرف شيئاً ثم لم يعترف به