تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 349

مساهمون:

ص٣٤٩
كلا ؛ إن البشر قد خلقوا جميعاً من الماء ؛ من تراب ؛ من صلصال ؛ من حمأً مسنون ؛ من نفس واحدة ، وجعل منها زوجها من ذكر وأنثى . وحتى قادة البشر الأنبياء عليهم السلام ، إنما هم بشر وإن ما يفضلهم الوحي . إن هذه البصيرة التي تمهِّد السبيل إلى عولمة القيم المثلى ، وتكرّس حقوق البشر بأمثل ما تصبو اليه المبادئ الأخلاقية ، إنها ركيزة أساسية من ركائز التشريعات الاسلامية . إن أصل البشر الواحد ، توحي إلينا فيما توحيه من حقائق وبصائر ، أنه لا يجوز أن نغلو في أحد ونرفعه إلى مستوى ادعاء الإلوهية ، ولا يجوز لنا أن نغلو بالسلاطين لنجعل منهم أنصاف آلهة ، أو أن نتعصب لأنفسنا أو لغيرنا بما يعود إلى عنصرنا أو دمنا أو ما أشبه . وقد استفادت النصوص الدينية من هذه البصيرة ؛ المساواة بين أبناء البشر ، حين جاء في حديث شريف المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : [ . . . أَلَا إِنَّ النَّاسَ وُلْدُ آدَمَ وَآدَمَ مِنْ تُرَابٍ ] « 1 » . ولأن بصيرة وحدة البشر في أصل الخلقة ركيزة أساسية في النظام المعرفي والثقافي والتشريعي للدين الحنيف ، فإنها تصبغ أحكام الإسلام بصبغة التوحيد ، الذي يتضاد أساساً مع كل لون من ألوان الشرك ؛ ينفي استعباد الناس بعضهم لبعض باسم الدين أو باسم العنصرية أو القومية أو الطبقية ، كما ينفي تسلط الناس بعضهم على بعضهم بقوة النار والحديد أو بجاذبية الثروة أو حتى باسم التقدم العلمي . وهكذا ينفي التمايز بين الناس بالدم أو بالولادة في أرض أو بالسكن في منطقة أو بالانتساب إلى مبدء أو ما أشبه ، اللهم إلّا بالتقوى ( الايمان والعمل الصالح ) . من أجل ذلك دعت رسالات الله إلى رفض القيم الجاهلية التي ما أورثت الإنسانية إلا خبالا . . والاستعاضة عنها بقيمة التقوى . . وقالت الآية الكريمة : يَا أَيُّهَا النَّاسُ والخطاب لم يخص المؤمنين بالرغم من أن سياق السورة يقتضي ذلك ، لأنه كان ينظم العلاقة بينهم . ربما لأن هذه تنفع البشرية كما تنفع المؤمنين ، وإذا كان الناس جميعا مدعوين إليها فالمؤمنون أولى بالتمسك بها . ثم إن علاقة المؤمنين بغيرهم ينبغي أن تقوم على أساس هذه البصيرة ، فلا يجوز أن يَعُدُّ العرب منهم أنهم الأعلى بلغتهم أو عنصرهم ، فتشكل هذه العقيدة الجاهلية حاجزا دون دخول سائر الشعوب في دين الله . الخطاب هنا إلى الناس جميعاً ، بغض النظر عن هويتهم العرقية أو انتمائهم الديني أو لغتهم أو ثقافتهم ، وعلى المؤمنين أن يعتمدوها في صلاتهم بالمجتمع البشري كله .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 16 ، ص 43 .
من هدى القرآن — صفحة 349 | السيد محمد تقي المدرسي