تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
أكثرها لا تعتمد على أدلة مقنعة ، ولكن أنَّى للإنسان أن يقيِّم كل ما يتعرض له ذهنه كل يوم من أمواج التصورات المتلاحقة . فماذا علينا أن نفعل ؟ علينا ألَّا نأبه بأي تصوُّر يحيكه ذهننا ، بل نعتمد على الحواس وما تنقله من حسيات متجاوزين التوهمات ، ونعتمد المصادر الموثوقة للمعرفة . لذلك فإن علينا أن نجتنب كثيرا من الظن ، أما القليل الذي نسعى وراءه فهو الذي تفرزه الحواس ، ويصدقه العقل ، ويصمد أمام النقد الدقيق . أما الظن الآثم فهو الذي تفرزه حالات الحقد والغضب والصراع . ولكن المشكلة أن هذه المجموعة الصغيرة متناثرة بين سائر الظن الكثير ، مما يجعلنا لا نطمئن إليه جميعا ، كما لو كان بعض الناس في بلد حاملا لفيروس الأيدز ولكننا لا نعرفهم بأعيانهم فعلينا أن نجتنب كل أهل هذا البلد حتى يتميَّزوا عن بعضهم . من هنا نجد الإمام علي عليه السلام يكرر في وصاياه هذه الكلمة ؛ فقد سُئِلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام كَمْ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ ؟ فَقَالَ عليه السلام : [ أَرْبَعُ أَصَابِعَ ] . وَوَضَعَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَدَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَعَيْنَيْهِ ، فَقَالَ عليه السلام : [ مَا رَأَتْهُ عَيْنَاكَ فَهُوَ الحَقُّ وَمَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاكَ فَأَكْثَرُهُ بَاطِلٌ ] « 1 » . ولأن كثيرا من الظنون تطال المؤمنين بسبب أعمالهم التي قد يكون لهم عذر وجيه في القيام بها ، فقد أمرنا الدين بأن نحمل أفعال إخواننا على أفضل محمل . وعن النبي صلى الله عليه وآله : [ اطْلُبْ لِأَخِيكَ عُذْراً فَإِنْ لَمْ تَجِدْ لَهُ عُذْراً فَالتَمِسْ لَهُ عُذْرا ] « 2 » . وقال أمير المؤمنين عليه السلام : [ ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْه ( أي تعلم يقينا غير ذلك ) ولَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيْرِ مَحْمِلًا ] « 3 » . وبعض المؤمنين يزعمون أن من علامة إيمانهم سوء الظن بالناس وملاحقتهم بتهمة الفسق وكأن الإيمان حكر عليهم ، كلا . . إن ذلك علامة ضيق نظرهم ، وشدة عُجبِهم المفسد لقلوبهم . أما علامة الإيمان الحق فهي سعة الصدر وسماحة القلب ، وصفاء النفس تجاه الآخرين . قال الإمام الصادق عليه السلام : [ حُسْنُ الظَّنِّ أَصْلُهُ مِنْ حُسْنِ إِيمَانِ المَرْءِ وسَلَامَةِ صَدْرِهِ وعَلَامَتُهُ أَنْ يَرَى كُلَّمَا نَظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الطَّهَارَةِ والفَضْلِ مِنْ حَيْثُ رُكِّبَ فِيهِ وقُذِفَ فِي قَلْبِهِ مِنَ
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 72 ، ص 195 . ( 2 ) بحارالأنوار : ج 72 ، ص 197 . ( 3 ) الكافي : ج 2 ص 362 .