تنازل الطرف الآخر . هذا إذا تم الصلح ، وفي حالة استمرار القتال حتى تفيء الفئة الباغية فإن مقتضى جعل العودة إلى أمر الله نهاية للقتال أنه ليس هناك حكم آخر كالقصاص والضمان ، وإلا جعلا حدَّا للقتال ، وهذا هو الظاهر من الروايات التي تبيِّن أحكام البغاة إذ لم أجد فيها حديثا يتعرض لأحكام القود والضمان والغرامة مع أنها في مقام البيان .
كما أن هذا هو المعروف من سيرة أمير المؤمنين عليه السلام ، فلو أراد الاقتصاص منهم لقتل بعض أسراهم ممن كان يقود الجيش المعادي كمروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير الذين لا ريب في تعلق القصاص بهم .
جاء في التاريخ أن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لما هزم أهل البصرة ذهب إلى دار عظيمة : [ فَاسْتَفْتَحَ فَفُتِحَ لَهُ فَإِذَا هُوَ بِنِسَاءٍ يَبْكِينَ بِفِنَاءِ الدَّارِ فَلَمَّا نَظَرْنَ إِلَيْهِ صِحْنَ صَيْحَةً وَاحِدَةً وقُلْنَ هَذَا قَاتِلُ الأَحِبَّةِ فَلَمْ يَقُلْ لَهُنَّ شَيْئاً . وسَأَلَ عَنْ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَفُتِحَ لَهُ بَابُهَا ودَخَلَ وسُمِعَ مِنْهُمَا كَلَامٌ شَبِيهٌ بِالمَعَاذِيرِ لَا واللهِ ، وبَلَى واللهِ .
ثُمَّ إِنَّهُ عليه السلام خَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ فَقَالَ عليه السلام لَهَا :
[ إِلَيَّ يَا صَفِيَّةُ ]
( فَأَتَتْهُ مُسْرِعَةً ) فَقَالَ عليه السلام :
[ أَ لَا تُبْعِدِينَ هَؤُلَاءِ ( الكُلَيْبَاتِ ) يَزْعُمْنَ أَنِّي قَاتِلُ الأَحِبَّةِ ، لَوْ كُنْتُ قَاتِلَ الأَحِبَّةِ لَقَتَلْتُ مَنْ فِي هَذِهِ الحُجْرَةِ ومَنْ فِي هَذِهِ ، ومَنْ فِي هَذِهِ ]
. وأَوْمَأَ عليه السلام بِيَدِهِ إِلَى ثَلَاثِ حُجَرٍ ( فَذَهَبَتْ إِلَيْهِنَّ ) فَمَا بَقِيَتْ فِي الدَّارِ صَائِحَةٌ إِلَّا سَكَتَتْ ولَا قَائِمَةٌ إِلَّا قَعَدَتْ .
قَالَ الأَصْبَغُ : - وهُوَ صَاحِبُ الحَدِيثِ - وكَانَ فِي إِحْدَى الحُجُرَاتِ عَائِشَةُ ومَنْ مَعَهَا مِنْ خَاصَّتِهَا وفِي الأُخْرَى مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ وشَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ وفِي الأُخْرَى عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وأَهْلُهُ ] « 1 » .
وقال القرطبي في تفسيره : [ وما استهلكه البغاة والخوارج من دم أو مال ثم تابوا لم يؤخذوا به . وقال أبو حنيفة : يضمنون ، وللشافعي قولان ، وجه قول أبي حنيفة أنه إتلاف بعدوان فيلزم الضمان ، والمقول في ذلك عندنا أن الصحابة رضي الله عنهم في حروبهم لم يتبعوا مدبرا ولا ذففوا على جريح ولا قتلوا أسيرا ولا ضمنوا نفسا ولا مالا وهم القدوة ] « 2 » .
ثاء : قال الفقهاء إن الباغي ذا الفئة يقتل أسيرا ويجهز عليه جريحا ويُستحلَّ ماله ، لأنه يعود إلى من يجمع له السلاح ويغدق عليه الأموال ويعاود القتال . . وجاء في الحديث عن حفص بن غياث قال : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عليه السلام عَنِ الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إِحْدَاهُمَا بَاغِيَةٌ
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 11 ص 51 .
( 2 ) تفسير القرطبي : ج 16 ص 320 .