فهل يجوز أن نطلق مثل هذا الكلام بالنسبة إلى كل حادثة تاريخية ؟ ! إذن نُعطِّل العقل ، بل نعطِّل موازين الشريعة ، كلا . . لا بد أن ندرس التاريخ ونعتبر بما فيه ونميز الحق والباطل فنتبع الحق وندع الباطل والله المستعان على ذلك .
أما الشبهة الدينية فهي أننا لو شككنا في أمر الصحابة ضاعت علينا معالم ديننا ، أو ليسوا هم الوسيط بيننا وبين معرفة الدين ؟ وأضافوا أن هناك أحاديث مأثورة عن الرسول باحترام الأصحاب وأنهم : كالنجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا .
ونقول : إن معالم الدين واضحة بالقرآن ، وعلينا أن نعرض عليه حتى أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام ، فكيف بأفعال البشر العاديين الذين لم يحظوا بتوفيق العصمة والتسديد ؟ ثم إن كل جيل يأخذ معالم دينه من الجيل السابق عليه فهل من المعقول إضفاء هالة العصمة على كل الأجيال ؟ وما الفرق مثلا بين الصحابة وجيل التابعين في أن من لحقهما أخذ منهما معالم الدين ؟ فكما ميَّز علماء المسلمين بين التابعين حسب قوانين علم الرجال ، فقالوا هذا ثقة أخذوا منه الدين وهذا وضَّاع وذاك ضعيف والثالث مجهول الحال فلم يأخذوا منه الحديث كذلك ينبغي أن نفعل بالجيل السابق لهم ، فنفرق مثلا بين أبي ذر الغفاري ، الذي ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق منه ، وبين سمرة بن جندب الذي كان يكاسر معاوية في ثمن الأحاديث الموضوعة .
وإذا جاءت روايات في فضل الأصحاب فيجب تقييدها بالصادقين منهم الذين لم يحدثوا بعد الرسول ، وذلك لسببين :
أولًا : لمعارضتها مع روايات أخرى مأثورة عن النبيصلى الله عليه وآله ، تؤكد أن بعض الصحابة يحدثون من بعده ، وأنهم يذادون يوم القيامة عن الحوض كما يذاد البعير ، وأنه ستكثر من بعده القالة فمن كذب عليه فليتبوأ مقعده من النار .
ثانياً : لأننا يجب أن نجعل كتاب الله مقياسا لمعرفة حدود أحاديث الرسول ، والله سبحانه وتعالى يقول :
- قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] .
- أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [ السجدة : 18 ] .
- وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ [ غافر : 58 ] .
من هدى القرآن — صفحة 323
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٢٣