عيباً مستوراً فلا يجوز أن نشيعه عليه من وراء ظهره بالغيبة ، لأنه بمثابة أكل لحم أخينا ميتاً . أوَلَيس ذلك نيلًا من كرامته ؟ وكرامته أعظم أم بدنه ( الآية : 12 ) ؟
5 - ثم يرسي السياق قاعدة التوحيد التي ترفض أي نوع من التمييز المادي بين الإنسان والإنسان ، ويؤكد ربنا أن أصل البشرية واحد ؛ آدم وحواء ، فلا تفاخر في الأنساب ، وأن الحكمة من جعلهم شعوباً وقبائل هو التعارف وليس التدابر والتسامي ، فإذا عرف بعضهم بعضاً ضبطت المسؤوليات والحقوق وتهيأت فرصة العدالة . بلى ؛ إن هناك تمايزا واحداً هو التقوى ، فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم . ومن معاني التقوى سلامة الفكر واستقامة السلوك ، وبذلك يكون التنافس على ما يقدم البشرية نحو أهدافها النبيلة ( الآية : 13 ) .
6 - وفي الآيات الأخيرة يفسِّر السياق التقوى ببيان أصلها المتمثل في الإيمان ، ربما لكي لا يدعيها الطامعون والانتهازيون فيقول : قالت الأعراب آمنا . .
وكان طائفة التجأوا إلى المدينة طمعاً في خيراتها بعد أن أجدبت أراضيهم ، فنفى عنهم القرآن إيمانهم ، ولكن لم ينف أنهم مسلمون ، كما لم ينف أجرهم عند الله ، إن هم أطاعوه وأطاعوا الرسول . أوليس الله غفوراً رحيماً ؟ ( الآية : 14 ) .
وهناك مقياسان نستوحيهما من القرآن للإيمان ؛ عدم الشك بخاصة عندما تخالف تعاليم الدين أهواءهم ومصالحهم ، والجهاد بالمال والنفس في سبيل الله ، فمن فعل ذلك فقد كان صادقاً في إيمانه . ( الآية : 15 ) .
ويزعم البعض أن ادعاءه الإيمان يكفيه ، وكأنه يعلّم الله بدينه ، والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، والله بكل شي ء عليم . ( الآية : 16 ) .
وترى بعضهم يمنون على الرسول صلى الله عليه وآله إسلامهم - كأعراب البادية الآنف ذكرهم - والله يمن عليهم بالإيمان ، لأنه نعمة كبرى إن كانوا صادقين في ادعائه ( الآية : 17 ) .
ويختم القرآن السورة بأن الله يعلم غيب السماوات والأرض وأنه بصير بما يعمل الخلق ، ولعله تحذير من ادعاء الإيمان لمصالح مادية ( الآية : 18 ) .
من هدى القرآن — صفحة 301
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠١