وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا بحثوا عن الحق بأنفسهم ، وسعت قلوبهم نحو البصيرة ، أولئك الذين يأخذ ربهم بأيديهم في طريق الهداية ، فيزيدهم هدى كما يثبِّت أقدامهم أن تزلَّ بفعل عواصف الشهوة ورياح الفتن .
زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ تماما بعكس أولئك المنافقين الذين سبق الحديث عنهم ، فبينما طبع الله على قلوب أولئك ، زاد هدى هؤلاء . وبينما يتبَّع أولئك أهواءهم ، آتى هؤلاء التقوى بتنمية معارفهم ووعيهم ، وتنبيههم في أوقات الغفلة ، وتنمية إرادتهم وعزمهم ، وإغنائهم بنعمة الحلال عما حرم عليهم . وبكلمة : توفيقهم لتجنب ما يسخط ربهم .
[ 18 ] لماذا - إذا - لا نخطو نحو ربنا الخطوة الأولى ليزيدنا هدى ويؤتينا التقوى ؟ إنه الانتظار الساذج ، والتسويف الخادع ، كأننا نتوقع أن تكون الخطوة الأولى من غيرنا ، وننتظر وإلى متى ننتظر ؟ هل إلى قيام الساعة ، حيث لا تنفع التوبة . فقد توافرت علائمها أفلا نبادر بالتوبة قبل فوات أوانها ؟
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً قد تتمثل الساعة في يوم القيامة ، أو عندما ينزل الله عذاب الاستيصال ، أو عندما يفاجئ الإنسان أجله الذي لا مفر منه . المهم أنها تباغت البشر ، بيد أنها ليست مفاجئة تماما إذ إن علاماتها قد ظهرت مما تكفينا دلالة عليها .
فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أشراط الساعة ، أي علائمها ، فما هي علائمها ؟
لقد اختلف المفسرون في تأويلها ، قال بعضهم : [ إنها بعثة الرسول ، أوَلَم يقل صلى الله عليه وآله :
بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ
صلى الله عليه وآله
السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى ]
« 1 » . أوَلم يخطب في أصحابه قبل الغروب وقال صلى الله عليه وآله :
[ وَالذِّي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بَيدِهِ ، مَا مِثْلُ مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا فِي مَا بَقيَ مِنْهَا ، إِلَّا مِثْلُ مَا مَضَى مِنْ يَومِكُمْ هَذَا فِي مَا بَقِيَ مِنْهُ ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُ إِلَّا اليَسِيرَ ]
« 2 » مما يدل على إنَنَّا نعيش فَي نهايات الدنيا . . ومن علامات ذلك بعثة خاتم الرسل الذي لا نبي بعده إلى يوم القيامة .
وقال بعضهم : [ إن أشراط الساعة هي ما ذكر في النصوص من انتشار الفساد ولا ريب أن ذلك أيضا من علامات قيام الساعة التي تقوم على شر خلق الله ] .
بَيْدَ أن أشراط الساعة - حسب ما يبدو - تعم كل الشواهد التي تهدينا إلى قيامها ، وتختلف الشواهد حسب الأشخاص والأمم والعصور . فلا ريب أن ما جرى على الأمم
هامش
( 1 ) بحارالأنوار ، ج 6 ، ص 315 .
( 2 ) تفسير الآلوسي : ج 26 ص 48 ، الدر المنثور : ج 6 ص 50 .