يجعلون أنفسهم سخرة لها ، بينما الكفار ينظرون إلى الأشياء نظرة ذاتية ، فيغترُّون بها ، ويعتمدون عليها ، ولكنها لن تغني عنهم شيئا .
[ 14 ] حين يفصل الكتاب بين المؤمنين والكافرين لا يفصل بينهما كعنوانين ظاهرين ، بل كقيمتين واقعيتين ، ينفصل على أساسهما من يتظاهر بالإيمان عن الفاسق والمنافق .
ذلك أن القرآن يتحدث غالبا عن الحق ، وليس عن مظاهره ، ولذلك فالكافر في آياته ليس دائما الذي يتظاهر به ، بل قد يكون الذي يكفر - مثلا - بآية في القرآن أو يكفر عمليا بفريضة إلهية ، لأن الحديث القرآني هو عن واقع الكفر لا ظاهره ، مما يشمل كل من يوجد لديه هذا الواقع .
وهذه السورة تتميز بالصراحة في هذا الفصل ، ولذلك جاء في الحديث المروي عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام :
[ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ حَالنَا وَحَالَ أَعْدَائِنَا فَلِيقَرأْ سُوَرَةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ، فَإِنَّهُ يَرَاهَا آيَةً فِينَا وَآيَةً فِيهِم ]
« 1 » أي إنها تتحدث بوضوح تام عن منهاج محمد وآله الحق ، والمنهاج الباطل المخالف لهم .
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ فدار مع الحق أينما دار ، ولم يجعل ذاته أو هواه محورا لقراراته كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ كلا . . لا يستويان ، إنه لفرق كبير بينهما ، فأولئك محورهم الحق ، وهؤلاء محورهم الهوى .
إن المؤمن يفكر ثم يتحدَّث ، ويخطِّط ثم يعمل ، بينما الكافر والمنافق يتحدَّثان بلا روية ، ويعملان بلا هدف سليم ، لأنهما لا يعتمد الحق مقياسا لشؤون حياتهما . أولم يقل الإمام علي عليه السلام :
[ لِسَانُ العَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ وَقَلْبُ الأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ ]
« 2 » .
إن المؤمن يعلم أنه قد يخطئ صراط الحق ، ومن هنا فهو لا يتحرك إلا عن بينة ، فلا يخطو خطوة إلا وهو يعلم أنه سيضعها في الموقع السليم ، كمن يحمل مصباحا ويقدمه أمامه ثم يبدأ المشي ، وبالعكس الكافر والمنافق . إنه يتخبط في ظلمات الباطل ، لأن الدافع الأساسي له الهوى
[ وَكَمْ مِنْ عَقْلٍ أَسِيرٍ تَحْتَ هَوَى أَمِيرٍ ]
« 3 » .
وإن المؤمن يعيش حياة الصدق ، لأنه يعيش في إطار الحق فلا يحتاج إلى التبرير والتلبيس والدجل ، بينما يعيش أصحاب الهوى الالتواء والأعذار والزيف . إن ضمائرهم ترفض باطلهم
هامش
( 1 ) نور الثقلين : ج 5 ص 24 .
( 2 ) نهج البلاغة : حكمة 40 .
( 3 ) نهج البلاغة : حكمة 211 .