تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
لولا أنه يزَّين لهم ، ويلبس بالحق ، ويبرر بصنوف المعاذير . أرأيت الذي يطعم العسل لا يحتاج إلى خلطه بمادة أخرى ، بينما الذي يجترع العلقم لا يستسيغه إلا إذا وضع فيه قطعة حلوى ، كذلك الحق والباطل . فهل الحاكم المنتخب بنزاهة ، والعامل بالعدل ، والحكيم ، والصادق ، والصالح ، بحاجة إلى الإعلام كالطاغية الظالم الطائش الفاسد ؟ وهكذا نجد الدول كلما توغلت في الظلم أنفقت على الدعاية . كما نجد أكثر الفلسفات البشرية جاءت لتبرير واقع فاسد للناس فرادى أو جماعات ، ففي العهد الماضي ابتدعت نظريات كثيرة كالمرجئة والقدرية لتبرير الواقع الفاسد للأفراد وحالات الترهل والكسل ، كما انتشر في العصر الحديث الفساد الجنسي ، وغطت الميوعة والمجون بلدانا كثيرة ، وجاء البعض بنظريته الجنسية المعروفة لكي يبرِّر للإنسان غرقه في أوحال الفساد واتباع الشهوات . [ 15 ] لكي يتعمق الفصل بين فريقي المؤمنين والكافرين في أعيننا حتى لا نزعم أنهما سواء ، ونستدرج - بسبب هذا الزعم - نحو الكفر ، ولكي نرغب في الإيمان بما يلقيه على عواتقنا من مسؤوليات ، ونحذر من الكفر بالرغم مما حفت به من شهوات ، لكل ذلك يذكرنا السياق بمصير الفريقين ، ويبين صفات الجنة والنار : مَثَلُ الْجَنَّةِ هذه هي صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ الذين يتبعون الحق ، ويتجنبون ما يسخط ربهم ، ويحفظون أنفسهم من النار ، وما يوجبها من سيئات . فِيهَا أَنْهَارٌ متنوعة أولا مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ غير متغير لطول المقام كما تتغير مياه الدنيا ، ذلك أن الجنة طاهرة من النجاسات والجراثيم والأدران . وقال بعضهم : [ إن هذا النهر وضع لرفع عطشهم ] . وأقول : بلى ، وأيضا لتطهير أجسادهم وأرواحهم من شوائب الحياة الدنيا فإذا شربوا منها نظفت أبدانهم من كل جرثومة أو مرض كما طهرت قلوبهم من كل غل . . ونستوحي ذلك من عدم قابلية الماء للأسونة والتغيير . وإذا عرفنا أن الماء بذاته مطهر ، فإن مقاومته للتأثر تعني أنه ماء مطهر لكل نجاسة ، لأنه لو لم يكن كذلك إذا كان يتأثر بها ، ويدل على ذلك أيضا الحديث الذي مضى آنفا عن رسول الله صلى الله عليه وآله . وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ فلا يعتريه شيء من العوارض التي تصيب الألبان في الدنيا ، ونحن نعرف أن اللبن شراب يقوم بدور الطعام ، أو طعام متكامل في صورة شراب سائغ إلا أنه قد يتغيَّر بسبب سرعة اجتذابه للجراثيم . بَيْدَ أن لبن الآخرة يقاوم الجراثيم ، فهو إذن غذاء سائغ هدفه بعث القوة في أبدانهم . وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يتلذَّذون بشربها ، ولا يتأذون بها ولا بعاقبتها ، بخلاف خمر الدنيا التي لا تخلو من المرارة والسكر والصداع ، فإذا شربوها ازدادوا نشاطا وحيوية .