تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
للعذاب ، ولكن ذلك لا ينفعه أمام عذاب الله الذي قد يشملهم جميعا . بلى ، الخلاص من العذاب ممكن بالهرب إلى الله من عذابه ، والالتجاء إلى فناء عفوه ، فرارا من سطوة انتقامه ، ولكن ذلك مشروط بإجابة داعي الله . أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قد يضل الإنسان وهو يزعم أنه على هدى ، ولكن ضلال البشر عن ربه لا يمكن تبريره أو إخفاؤه ، إنه ضلال مبين ، لأن القياس باطل تماما بين الله وخلقه . أليس كذلك ؟ فكيف يمكن للإنسان أن يزعم أن من خلقه الله بقادر على إنقاذه من غضبة ربه الخالق الجبار ؟ ! [ 33 ] والعذاب الأدنى في هذه الحياة شاهد صدق على العذاب الأكبر في الآخرة : أولًا : لأنه ينسف بنى التبرير ، والتشبث بالأعذار ، والغرور بنعم الله ، والاعتقاد بأن الله لا يعذب أحدا ، كلا . . أوليس قد عذب عادا الأولى ، وثمود فما أبقى ؟ ثانياً : لأنه يرينا صورة واضحة عن شدة عذاب الله ، فإذا كان العذاب الأدنى ريحا تدمر كل شيء بإذن ربها فكيف بالعذاب الأكبر ؟ ! إذا فإن ما أنذر به المرسلون من عظيم العقاب في اليوم الآخر حق لا ريب فيه . ثالثاً : حينما نشهد عذاب الله للأمم الغابرة تلين القلوب ، وتستعد لتقبل المواعظ الربانية ، وكانت من قبل سادرة في غفلتها ، محجوبة بغرورها وبانشغالها بالشهوات العاجلة والأماني والأحلام ، لذلك كانت تلجأ إلى كهف التكذيب بالآخرة ، واختلاق الشبهات حولها ، فرارا من ثقل المسؤولية ، ومسارعة في اللذات ، ومضيا مع الشهوات حتى الثمالة . وأكثر الشبهات شيوعا عندهم ما قالوا : كيف يعيد الله هذه الأعظم البالية وقد أضحت رميما تذروه الرياح ؟ ! وكيف يحيي الله الموتى وقد فسد نظام أجسادهم ، وماتت خلايا المخ عندهم ، ولم نر أحدا منهم عاد إلى الحياة أبدا ؟ ! وهذه الشبهة تافهة جدا ، إلا أنها تستمد قوتها من عزم البشر على التهرب من الإيمان بالآخرة خشية تحمل مسؤولياته الثقيلة ، ولولا ذلك فإنها تتلاشى كما يتلاشى ظلام الليل حينما ينبلج فجر الحقيقة ، بشرط ألا يحتجب الإنسان عنه بغشاوة الشهوات ، دعنا نستمع إلى القرآن وهو يبدِّد هذه الشُبهة بتساؤل يمسُّ أوتار الفطرة النقية مسا رقيقا : أَوَلَمْ يَرَوْا أنها حقيقة ترى ليس بالعين وحدها ، فإن البصر قد يزيغ ، ولكن بالقلب الذي تجتمع لديه أحاسيس كل الجوارح أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى