تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا تفيض أشعة الشمس بما تحمل من بواعث الحياة على الأرض الهامدة ، وينهمر الغيث حاملا مواد أساسية من الفضاء المحيط ، ويرسل الرب الرياح لواقح ، فيرزق عباده بكل ذلك بقدر ما يشاء . وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ إن الله يصِّرف الرياح حيثما يريد ، بعضها مبشرات بالرحمة ، وبعضها بالعذاب ، وينشر اللقاح أو يسقط الورق ، أو يحمل الغيث أو البرد . . . وهكذا الرياح كما الغيث مسخَّرات بإذن الله ، تجري بأمره حيث أصاب ، كل ذلك آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فالذين يستوعبون دروس الخليقة ، ويحفظون المعلومات ليضيفوها إلى بعضها ، ويتفكرون فيها جميعا ليعرفوا السنن التي تجريها والأنظمة التي تسيِّرها ، هم أولئك الذين يصلون عن طريق الآيات الإلهية إلى الحقائق الكبرى . ولعل هذا التدرَّج من الإيمان إلى اليقين إلى العقل يوحي بأن الإيمان هو تسليم النفس البشرية للحق ، واليقين درء للشكوك والظنون ، وترسيخ للسكينة في النفس ، أما العقل فهو لوعي تفاصيل الحقيقة للمحافظة على اليقين والزيادة فيه . وبتعبير آخر : يكون الإنسان ضالا ، فإذا أطاع القلب الشيطان يصبح كافرا ، وإذا خرج الملك حتى أتم الشيطان هيمنته على القلب فقد أمسى صاحبه جاحدا مطبوعا على قلبه بالكفر ، أما إذا هزم القلب شيطانه ، وأسلم لربه ، فقد آمن ، وإذا ازدادت هيمنة الملك على القلب حتى ثبته الله على الإيمان ، وألزمه كلمة التقوى ، وطرد الشيطان بما له من وساوس وشكوك ، فقد أصبح موقنا ، واليقين درجات فكلما ازداد المؤمن عقلا عن ربه وعلما بآياته سبحانه يزداد يقينا . [ 6 ] تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ الكون يدور كله حول الحق ، والقرآن يؤكد هذه الحقيقة فكل آيات الله في الطبيعة تقودنا إليه ولكن إذا لم يؤمن الناس بالحق . . فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ إنكار الله بعد عرض هذه الآيات ليس إنكارا لله فقط ، بل هو أيضا إنكار للآيات نفسها ، وهل في الكائنات شيء أشد ظهورا من تلك الحقيقة التي تشترك في الشهادة عليها والدلالة إليها كل الكائنات ؟ ! وإذا أنكرناها فقد أنكرنا كل شيء . أوليس في كل شيء آية لله ؟ . هكذا جاء في دعاء الإمام الحسين عليه السلام : [ عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيباً ] « 1 » .
هامش
( 1 ) بحارالأنوار ، ج 95 ، ص 226 ، دعاء عرفة ، الإمام الحسين عليه السلام .