تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ وحدد الله لهذا الكتاب غايات سامية فقال : 1 - لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ فالقرآن أنزل لكي يعطي للإنسان المؤمن البصيرة والرؤية السليمة في الحياة . وهذا لا يمكن بالمطالعة السطحية ، بل لا بد من تفكر عميق في الآيات . 2 - والهدف الآخر بعد إدراك البصيرة أن تنعكس على حياة الإنسان فيتذكر بها ويصحح من خلالها في التفكير ، وفي العمل منهجه . وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ لأن العاقل هو الذي يعرف قيمة القرآن ، وأهميته ، وهو الذي يتعرف إلى بصائره . ولاشك أن الذي يحكم عقله في الحياة هو الذي يستفيد من القرآن ، أما الآخر الذي تحكمه شهواته فلن يتذكر به أبدا . ونتساءل : ما هي صلة هذه الآية بالسياق ؟ ونجيب : أولًا : بأن استنباط منهج الخلافة الإسلامية من القرآن صعب مستصعب لا يحتمله إلا من امتحن الله قلبه بالإيمان ، وعرف أنه لا يمكن أن يعترف بالقرآن بسلطة تجانب قيمة الحق ، ومنهج التوحيد . أوليست السلطة السياسية تجسد قيم المجتمع . فكيف تستطيع سلطة فاسدة تطبيق قيم القرآن الإصلاحية ؟ ! وهكذا أشار السياق إلى ضرورة التدبر والتذكر لتبصر هذه الحقيقة التي تتراكم عليها حجب الشهوات والضغوط . ثانياً : بأن منهج القرآن في توعية الإنسان باليوم الآخر منهج فريد ، ولا يبلغ فهمه غير الذين يتدبرون في آيات الكتاب ويتذكرون بها . [ 30 ] وينقلنا السياق إلى قصة سليمان عليه السلام بعد أن استوحى عبر قصة داود عليه السلام وتلتقي القصتان في أنهما مثل لتجاوز الإنسان فتنة السلطة والقوة . وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ فميزة سليمان وعظمته الحقيقية ليست في انتمائه إلى رجل عظيم كداود عليه السلام ولا في سلطانه إنما في عبوديته لله سبحانه . ولو لم يكن من أهل الإيمان لما امتدحه في كتابه . فبه استطاع أن يتجاوز أكبر فتن الحياة ، وهي فتنة السلطة فقد ملك عليه السلام ما لم يملكه أحد من الناس ولن يملكه من بعده ، ولكنه لم يغتر بزينة الدنيا ، إنما تجاوزها وتوجه لله ، يتعبد ويضع نفسه في موقع المذنب ثم يتوب وهو المعصوم من الذنوب وإنما يعظم ربه عز وجل . وكيف يتكبر هؤلاء على ربهم وهم يعلمون بأن ما عندهم من فضله ، وأن طريق الاستزادة هو المزيد من التذلل له والتضرع إليه ؟ ! [ 31 ] وتجسيدا لآية سليمان وتعبده لله ، يعرض لنا القرآن صورة من حياته عليه السلام إِذْ
من هدى القرآن — صفحة 99 | السيد محمد تقي المدرسي