الحكمة البالغة تتجلى في أصغر شيء خلقه الله ، في النحلة والنملة ، في الشعر والوبر ، في الخلية الواحدة ، في الذرة الواحدة ، في البروتون والإلكترون . فكيف لا تتجلى الحكمة في مجمل خلق السماوات والأرض ؟ ! أم كيف يخلقهما الله باطلا بلا حكمة بلا هدف بلا تقدير ؟ ! سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا . ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لأنهم قيمَّوا الحياة بأفكار الكفر المسبقة لم يهتدوا إلى الحق . ومع ذلك لم يصلوا في نفيه إلى حد قطعي ( العلم ) لأنهم أينما نظروا وإلى أي شيء منها وجدوا فيه آثار القدرة والحكمة . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ لأن الله خلق السماوات والأرض بالحق ، فإنه لن يدع الكفار سدى بل لا بد أن يجازيهم بأعمالهم التي تجاوزت كل حد معقول في مخالفة الحق بل لهم الويل والثبور .
[ 28 ] وتبيانا لهذه الحقيقة يهدينا الرب إلى أن سُنَّة الحق القائمة في كل شيء مخلوق تأبى تساوي المتقين الذين يتجنبون العذاب ، وأسبابه وعوامله . والفجار الذين لا يبالون أي واد يقتحمون ، وأي ضلالة يتيهون فيها ، وأي جريمة يرتكبونها . أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وبذلك كسبوا الحسنات . كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ ويبدو أن تخصيص المفسدين بالذكر ينسجم وقصة داود عليه السلام المتمثلة في شروط خليفة الله في الأرض . وأن الخليفة الشرعي ليس كل من ملك الأمور بالقوة ، إنما الذي يملكها بالحق . ولهذا لا بد من التفريق بين حاكم وحاكم ، خلافا لما ذكره البعض من أن الحاكم الشرعي هو الذي حكم بالسيف ، سواء كان مصلحا أم مفسدا ، والواقع أنهم أرادوا تبرير مواقفهم من بعض أحداث التأريخ ورجاله ، فهم يؤمنون بأن عليا عليه السلام ومعاوية سواء ، بينما يرفض ذلك منطق القرآن . هل الإمام علي عليه السلام الذي يطوي نهاره صائما وليله قائما عابدا ، ويتقاسم قوته مع الفقراء ، بل ويؤثرهم على نفسه وعياله مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [ الإنسان : 8 ] . ويعدل في الرعية يستوي هو والذي يغتصب حقوق الآخرين ، ويسفك دماء الناس ، ويتلاعب بمقدرات الأمة ؟ ! كلا . . إن السلطة سلاح ذو حدين ، فهي إذا تسلمها المؤمنون تصبح وسيلة للإصلاح والإعمال ، أما لو كان العكس ، فإنها ، تمسي معولا يهدم المنجزات ويحطم الطاقات . وربنا في هذه الآية لم يقابل الَّذِينَ آمَنُوا بجماعة معينة كَالْفُجَّارِ مثلا ، إنما قابلهم بالمفسدين في الأرض ، ليبيَّن لنا بأن كل سلطة غير سلطة المؤمنين هي مفسدة في الأرض . أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ إن ذلك لا يصح ولا يكون ما دام الحق هو أساس الحياة ومقياسها . إلا أن تتبدل هذه المعادلة ، وهذا ليس إلا في ظن الكافرين .
[ 29 ] والحق يتجلى في السماء والأرض وما بينهما . وآيات القرآن هي التجلي الآخر للحق ، ومن تدبر في القرآن وجد أنه الكتاب الناطق بما يجد في آيات الخليقة ، فإذا أعد قلبا واعيا تبصر أنه كتاب أنزله خالق السماء والأرض ، لأنه ليس سوى صورة صافية للخليقة .
من هدى القرآن — صفحة 98
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٨