وعندي أن هذه النصوص لا تصلح تفسيرا للقرآن للأسباب التالية :
1 - إن الآية من محكمات الذكر التي لا تدع شكا في معناها لمن تدبر فيها وفي سياقها من الآيات ، والمحكم لا ريب فيه ، ولا يجوز أن نتحول عنه اعتمادا على الحديث .
2 - إن دعوة الرسول كانت خالصة لله وطاهرة من كل قيمة مادية وعصبية عشائرية فكيف يدعو قومه لاتباعه باسم العصبية ولأنه ينتسب إليهم ، فهل تصلح لداعية من سائر الدعاة اليوم أن يدعو ابنه إلى اتباعه لأنه أبوه مثلا ، أو يدعو عشيرته لقبول الإسلام لأنه قريب نسبيا إليهم ، وأكثر الأنبياء كانوا من بني قومهم ، فلماذا لا نجد مثل هذا الكلام من أي واحد منهم ، وإنما نجد الجميع يؤكدون بأنهم لا يطالبون من قومهم أجرا .
3 - إن الكلام في الآية قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى حسب تلك النصوص لا يبدو متناسقا ! ، فما هي العلاقة بين أجر الرسالة وبين قبول الدعوة بسبب المودة في القربى ، أليس هذا يشابه كلام من يأمر بالصلاة ويقول : لا أسألكم أجرا إلا أن تصلوا لأني أخوكم ؟ ! .
ولعدم تناسق المعنى نجد الذين يذهبون إلى هذا الرأي يحتارون في كيفية ربط معنى الأجر بفكرة قرابة الرسول مع قريش .
4 - وأخيرا إن الأحاديث التي رويت في تفسير الآية بمودة آل بيت الرسول أكثر عددا ، وأقوى سندا ، وأشد تماسكا ، لو قسناها بالروايات الأخرى التي لا تماسك بينها ، إذ إنها مختلفة اختلافا كبيرا ، بينما تفسر الآية بهذا المعنى أي أن يطالب صلى الله عليه وآله قريش بمودته لقرابته ، أو بأن الرسول طالبهم بطاعة الله ، أو فسرها بأن تودوا الله ، وأن تتقربوا إليه بطاعته « 1 » . ومن جهة على هذا ينبغي البحث عن كيفية استفادة تلك المعاني من كلمة المودة في القربى .
وبتفصيل أكثر : الروايات التي وردت عبر مختلف الفرق الإسلامية حول تفسير هذه الآية بآل البيت عليهم السلام تبلغ أكثر من ( 44 ) حديثا ، روي زهاء ( 19 ) منها عن طريق أهل البيت عليهم السلام وفي كتب شيعتهم « 2 » وروي ( 26 ) حديثا من سائر كتب الحديث . بينما يبلغ مجمل الروايات المعارضة لها ( 6 ) أحاديث فقط ، وفيها اختلاف كبير ، بل نجد في رواية منها ينسب إلى سعيد بن جبير الرأي المشهور المخالف لتلك النصوص . فهل يجوز ضرب ( 44 ) حديثا موحدا في المعنى ب ( 6 ) أحاديث مختلفة فيما بينها أشد الاختلاف ؟ .
هامش
( 1 ) راجع تلك الأحاديث في كتاب الدر المنثور .
( 2 ) راجع تفسير نور الثقلين : ج 4 ، ص 570 - 576 .