فمن أجل تلافي معظم الصراعات البشرية لا بد من معالجة نقطة الضعف الرئيسة عندهم وهي عبادة الثروة لكي لا تصبح أداة السلطة الفاسدة ، وسببا للحروب التي أفنت لحد الآن أضعاف ما أفنته سائر أسباب الوفاة كالمجاعات والأمراض ، والكوارث الطبيعية ، ولو حاولنا التقرب إلى هذه الفكرة أكثر يجب أن نعرف بأن التعبير السائد اليوم : ( مصالح القوى الكبرى ) أو ما إلى ذلك هو التعبير الواضح عن اللهث وراء الدنيا ، أولم تدفع هذه المصالح الظالمين لقتل الملايين من الناس هنا وهناك ؟ .
[ 21 ] ثم هل يكتفي الإنسان بخوض الصراعات ، وإفساد البلاد والعباد ، وحسب ؟ كلا . . بل يسعى لتبرير تصرفاته ومواقفه من خلال دين يصطنعه لنفسه ، ولو درسنا الواقع الثقافي والإعلامي في عالم اليوم لانتهينا إلى نتيجة واحدة ، هي أن أكثر النظريات والثقافات منتزعة من الواقع المصلحي للإنسان ، فمن أجل حماية مصالحهم تجد هذه الدولة أو ذلك الحزب يبتدعون الأفكار والنظريات المختلفة ، فإذا بالصعاليك يؤسسون نظرية الصراع الطبقي ، بينما يبتدع المترفون نظرية النخبة ، والقرآن يستنكر هذا النهج ويَعُدُّه صورة من صور الشرك . أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ إن الشريعة التي ينبغي للإنسان اتباعها والخضوع لها هي الموحاة من الله وحده ، أما الشرائع والقوانين التي يبتدعها البشر ولا يرتضيها الرب فإن إتباعها شرك به عز وجل ، والتدبر العميق في هذه الآية يهدينا إلى أن الذي يُشِّرع قانونا مخالفا لشرع الله إنما يُنصِّب نفسه إلها من دونه ، والذي يسمى في القرآن دينا ليس القوانين الفيزيائية والكيميائية ، إنما القوانين السياسية والاجتماعية والاقتصادية و . . التي تحكم الناس ، وهذه لا يجوز لأحد أن يسنَّ منها شيئا إلا على ضوء شرع الله ، ومن خلال رسالته .
وبعد أن يهدِّد القرآن - في آية سبقت - الذين يثيرون الصراعات السلبية ، أو يشرعون القوانين ، يتوعدهم ربنا في هذه الآية بعذابه الأليم ، محذرا لهم من أن تأجيل العذاب ليس دليلا على الإهمال ، إنما لأنه وعدهم بإعطائهم الفرصة لبيان طبيعتهم ، التي لولاها لأخذهم بالعذاب فور المعصية . وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وتكاد تتميز هذه الكلمات إنذارا ، فلولا عهد الله على نفسه بإعطاء الفرصة لهم لكفت هذه الجريمة أي ابتداع نظرية في غير إطار الشريعة - سببا للقضاء عليهم قضاء تاما ، ولكن تلك الكلمة وذلك العهد يؤجل العذاب العظيم ولا يرفعه أبدا ، وإن الشرك ظلم بذاته وهو ينتهي إلى الظلم أيضا ، إذ لا يمكن للنظام الشركي أن يكون عادلا أبدا ، ونستوحي هذه البصيرة من تبديل كلمة الظالمين بالمشركين .
[ 22 ] وفي يوم القيامة حيث تنصب الموازين الحق للجزاء يخاف الظالمون من أعمالهم
من هدى القرآن — صفحة 372
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٢