حب المحسن إلينا ، وشكر من أنعم علينا ؟ أولا نريد المزيد من الرحمة ؟ دعنا إذا نبادر إلى قبول رسالته التي تتسم بالرحمة .
[ 3 ] التنوع والاختلاف سمة بارزة للمخلوقات ، والعلم الحق هو الإحاطة بمعرفة خصائص الأشياء واختلافاتها ونسبة بعضها إلى البعض الآخر وحاجات الإنسان هي الأخرى شديدة التنوع وعظيمة الاختلاف ، سواء منها النفسية أو الجسمية ، ولكل شيء حد إذا تجاوزه بطل ، وهكذا حاجات البشر ذات مقدار فإذا أسرف فيها أفسد ، وإذا قتر أفسد ، فنحن إذا بحاجة إلى خريطة مفصلة لوجود الكائنات ووجود الإنسان بينها ، فأين نجدها ؟ أوليس في كتاب ربنا الحكيم ؟ بلى ؛ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ إنه كتاب ( ثابت ) ، وإنه مفصل قد أحكمت آياته وتشابهت وتناسقت ، لا تجد فيها عوجا ولا ثغرة ولا اختلاف ، وهذا بذاته شاهد على صدقه ، فكل آياته تنبعث من التوحيد الخالص ، وتدعو إلى الحق والعدل والجزاء . والكتاب قرآن عربي جاء بهذه اللغة الفريدة التي سمت على كل اللغات في إعرابها عن نوايا المتحدث بكل دقة وبلاغة . قُرْآناً عَرَبِيّاً وإنه لشرف عظيم لهذه اللغة وللناطقين بها عبر التاريخ أن وحي الله قد امتطى متنها ، ولعلنا نستوحي من هذه الإشارة : أن شرف العروبة باللغة ، ولذلك فكل من تحدث بها واعتنق المبادئ السامية التي جاء بها الذكر فهو عربي ، وإنما تتفاوت عروبة الناس بمدى التزامهم بتلك المبادئ ، وأكرم الناس جميعا أتقاهم . لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ القرآن كتاب علم ولا يبلغ آماده إلا العلماء ، وإذا قصر عن وعيه إنسان فلنقص في معارفه . . وكلما تقدم علم البشرية اقتربوا من محتوى القرآن وعرفوا عظمته ، إلا إن ركب الإنسانية يسير قدما نحو التكامل ويبقى القرآن أمامه أبدا ، كالشمس ضوؤها قريب والوصول إليها مستحيل .
وهذا الاستفتاح يتناسب والحقائق العلمية التي تشير إليها هذه السورة لكي لا تنكر بعضها عندما نجهل أبعادها ، فليس من خصائص الإنسان العاقل أن ينكر مالا يعرفه ، بل يسعى من أجل معرفته .
[ 4 ] والى جانب أنه كتاب علم ، فهو كتاب حكمة ، تنفذ بصائره في الفؤاد ، وتستثير عقل الإنسان من سباته ، وتنهض إرادته ، وتشحذ عزائمه ، وتربيه وتزكيه ، كل ذلك بما يحتوي من بشارة وإنذار . بَشِيراً وَنَذِيراً ولا يدع الكتاب نافذة على القلب إلا وينفذ منها ، ولا وترا حساسا إلا ويضرب عليه . إنه يرغبهم في ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة بألوان من الترغيب لا تكاد تحصى ، كما وينذرهم بألوان من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة . ولكن هل يعني ذلك أن القرآن يؤثر في كل الناس ؟ إذا بطلت حكمة الابتلاء . ولا يصبح الناس جميعا على هدى . فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ لقد أعرضوا عن ذكرهم ، ولم تشأ حكمة
من هدى القرآن — صفحة 283
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٣