ثانياً : إذا اطمأنت النفس إلى عظمة البارئ الذي خلقها وأتقن صنعها ، التجأت إليه بالدعاء ، وخلعت رداء التكبر ، وارتدت ثوب العبودية لرب العالمين ، أما الذين يستكبرون عن عبادة الله ، وعن الدعاء وهو مخ العبادة ، فسيدخلون جهنم داخرين .
ثالثاً : نشكر ربنا على نعمه التي تحيط بنا ، ولولا واحدة منها انعدمت حياتنا وتحولت إلى جحيم لا يطاق ، فهو الذي جعل الليل سكنا والنهار معاشا ، إنه فضل عظيم : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ولذلك تجدهم يستكبرون .
ولماذا ينحرف البشر عن صراط الله الذي ربَّاه ونعَّمه ، وهو خالق كل شيء ، ولا سلطان إلا سلطانه ، ولا إله إلا هو الواحد الأحد ؟ لأنه يجحد بآيات الله . وهكذا عاد السياق إلى موضوع رئيس في السورة ، وهو التعامل مع آيات الله ، وآيات الله - التي هي السبل إلى معرفته وعبادته - مبثوثة في الآفاق وفي أنفسنا ، فهو الذي جعل الأرض قرارا والسماء بناء ، وهو الذي صور الإنسان في أحسن تصوير ، وأغدق عليه من رزقه الطيب . إنه ربنا ربَّ العالمين تبارك وتعالى .
وهو الحي الذي تفرد بالألوهية فإليه لا بد أن يجأر الإنسان خالصا له الطاعة والانقياد ، وإن له الحمد كله ، لأنه رب العالمين ، لأنه هدانا إليه بالبينات التي أرسلها ، ويتجلى حمدنا له في تحدي الكفار الذين يدعون الأنداد ، وكذلك في تسليمنا له . أوليس قد أسلم له كل شيء في العالمين ؟
مَنْ هذا الإنسان المسكين الذي يتكبر على ربه ، وينازعه رداء العزة ؟ ! إنه مخلوق كان أصله التراب فجعله الله نطفة ثم علقة ثم أخرجه طفلا ورعاه حتى أضحى بالغا رشيدا ، وأحاطت به نعم الله حتى أمسى شيخا ، بينما البعض توفاهم الله من قبل ، كل قد حدد له أجلا ، كل ذلك بهدف أن يعرفوا ربهم من خلال تطورات حياتهم ويعقلوا .
وبيده - لا بيد غيره - الحياة والموت ، وهو مطلق القدرة ، فعال لما يريد ، وأمره - إذا قضى شيئا - بين الكاف والنون .
بينات من الآيات :
[ 60 ] الذين يعيشون في غياهب السجون ، أو في ظلمات الحكم الطاغوتي ، أو في ذلِّ المهاجر بعيدين عن الأهل والوطن ، إن مثل هؤلاء سوف تهجم عليهم سحب اليأس والقنوط ، ويتعرضون لموجات من الشك والارتياب . أحقا نحن على حق أم هم ؟ فلماذا نراهم
من هدى القرآن — صفحة 254
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٤