تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
موقف الطغاة من الحركات التغييرية في كل مكان وزمان . [ 27 ] أما موسى عليه السلام فهو في الوقت الذي تحدى هذا الغرور والعنجهية الفرعونية ، لم يعتمد على ذاته ، ولا على منطق القوة ، إنما اعتمد وكسائر الأنبياء والربانيين على قوة ربه وقوة الحق الذي يؤمن به ويجاهد من أجله . وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ والتكبر والكفر بيوم الحساب ، هاتان الصفتان تنتهيان إلى شيء واحد ، هو ضياع المقاييس عند الإنسان ، فإذا به يعتقد بأن ما تشتهيه نفسه هو الحق ، فبتكبره لا يخضع للحق ، وبكفره بالجزاء لا يتحسس المسؤولية . ولمقاومة شر هذا النوع من الرجال لا بد من الاستعاذة بالله : أولًا : للاستقامة أمام إغرائهم وإرهابهم . ثانياً : للاستلهام من الوحي سبل مقاومتهم . [ 28 ] وينعطف السياق القرآني ليكشف جانبا من الصراع الداخلي الذي يدور في صفوف الطاغوت ، حيث الموقف الرسالي الحاسم لمؤمن آل فرعون من النظام الفاسد ، الذي يكشف ظهوره في هذا الموقع من الصراع عن مدى تغلغل الحركة الرسالية في الأجهزة الفرعونية ، كما يعكس محتوى الاستعاذة بالله وكيف أن ربنا ينصر رسله برجال ادخرهم لمثل ذلك . وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ وهو حزقيل الذي بقي إيمانه طي الكتمان دهرا طويلا حسب بعض الأخبار ، وإن دل هذا الأمر على شيء فإنما يدل على أن أساليب النضال ليست واحدة ، بل ينبغي لكي مناضل أن يتحرك في جهاده من الخندق المناسب ، وإذا كانت خنادق الجهاد تختلف - كما صوره - من شخص لآخر ، ومن ظرف لآخر ، فإن الهدف يبقى واحدا والمحتوى هو المحتوى ، بينما يقتضي الأمر الإلهي أن يفجر موسى عليه السلام صراعا صريحا مع الطاغوت ، ويتساقط أتباعه من بني إسرائيل كأوراق الخريف بعاصفة الإرهاب ، نجد هذا المؤمن المجاهد يحتفظ بمركزه في بيت فرعون ، ليقوم بدور أساسي في هدم نظامه . فبينما كان الطاغوت جالسا يتباحث أمر موسى عليه السلام مع خاصته ليكيدوا به ويقتلوه ، والكل يزعم بأن لا غريب بينهم ، وإذا بالمؤمن ينهي فترة الصمت والكتمان ويستنكر عليهم قرارهم المنحرف : أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وهذا هو الحق والواقع . وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ثم إن دعوته لم تكن مجردة ، إنما كانت مدعمة بالأدلة والبراهين التي تؤكد صدقها ، وإنها ليست من عند موسى نفسه بل من رب الخلائق ، ولعل هذا الحدث كان ذا أثر عميق على فرعون وقادة نظامه ، أن ينهض من بينهم شخص يؤيد المعارضة وينتمي لها .
من هدى القرآن — صفحة 227 | السيد محمد تقي المدرسي